حسن زايد يكتب :مصر فوق صفيح ساخن

الخميس، 23 يناير 2014 04:04 م
حسن زايد يكتب :مصر فوق صفيح ساخن صورة أرشيفية

هناك العديد من القوى الإقليمية والدولية التى ترغب فى استمرار مصر رجل مريض، لا تُعْطَى الدواء فتشفى، ولا تُتْرك بدونه فتموت.

وما من وقت مر على هذا البلد شمَّ فيه أنفاسه، وحاول أن ينفض عنه الغبار لينهض من وهدته، ويذود عن حياضه، ويأخذ مكانه الطبيعى تحت الشمس، باعتبار المكانة التاريخية، والإرث الحضارى، والموقع الاستراتيجى، إلا وتكالبت عليه تلك القوى.

وفى الماضى القريب، تجد أن هذه القوى تكالبت على مصر بعد أن هددت انتصارات القائد العظيم إبراهيم باشاـ ابن محمد على ـ الباب العالى فى تركيا، وهزت كيان التوازن الأوروبى هزًا، وهددت السلم والأمن الأوروبيين، فأجبرت هذه القوى محمد على عَلَى قبول معاهدة لندن سنة 1840 م.

وقد سبقت محمد على الحملة الفرنسية ( 1798م ـ 1801 م ) ، ولحقه الاحتلال الإنجليزى لمصر (1881م ـ 1954 م ). وقد كانت ثورة يوليو1952 م هى الحلم الذى سعى من خلاله الشعب لوضع مصر فى مكانها اللائق محليًا وعربيًا وإفريقيًا ودوليًا، فكان جزاء ذلك ضربها فى 1956، من خلال ما يعرف بالعدوان الثلاثى.

ثم كانت الضربة القاصمة التى استهدفت بقاء مصر منبطحة لسنوات عديدة فى 1967م بمساندة ومباركة من راعى البقر الأمريكى. ثم تحجيم وتقزيم انتصار اكتوبر 1973م بتدخل مباشر فى أرض المعركة من جانب أمريكا.

وقد بدأ تقليم أظافر مصر بإلقاء99% من أوراق اللعبة فى الشرق الأوسط فى حجر راعى البقر الأمريكى الذى تنقصه رقة الحضارة بتعبير الرئيس المصرى الأسبق محمد نجيب. فخفت ضوء الدور المصرى وذبل لمعانه على مستوى منظمة الوحدة الأفريقية، ومنظمة عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامى باعتبار مصر من الدول المؤسسة لهذه المنظمات، وعادت إلى دور الرجل المريض.

وقد نسينا إبان فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات وطوال فترة حكم مبارك مقولة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر " إذا رأيتم أمريكا ترضى عنى وتؤيدنى فاعلموا أنى أسير فى الطريق الخطأ ". لا لشىء سوى لأن الأمريكان لا يتعاملون إلا بمنطق راعى البقر الذى عرفناه فى الأفلام الأمريكية. لا يرضون إلا عمن يعمل لمصلحتهم وحسب. ولما أصبح حكم مبارك يمثل عبئاً عليهم لشيخوخة نظامه وعدم قدرته على التكيف مع المتغيرات الجديدة ، وفى ظل سياسة الفوضى الخلاقة التى ابتكرتها عقلية راعى البقر الأمريكى الذى يفتقر إلى رقة الحضارة، كانت المفاوضات غير المعلنة ما بين الإخوان والأمريكان للحلول محل الأنظمة التقليدية التى تكلست فى أماكنها فى المنطقة العربية. ومثل الإخوان حصان طروادة للأمريكان فى ثورات الربيع العربى، إلا أن الخطة قد فشلت لأن سكان مصر لم يسكروا، ولم يتسن للإخوان بعد خروجهم من الحصان أن يفتحوا أبواب مصر للجيوش الغازية.

فكانت الثورة الثانية التى أطاحت بالحصان وسكانه، ودخلت مصر فى أتون معركة حامية الوطيس، حيث الحدود ملتهبة، والنيران فى الداخل مشتعلة، ومؤامرات الخارج تصب الزيت على النيران المستعرة.

فضلاً عن الحرائق التى يشعلها الإخوان وتابعوهم وتابعو تابعيهم فى الداخل، من اغتيالات وتفجيرات إلى مظاهرات تخريبية تستهدف الأملاك العامة والخاصة، وتستهدف الأنفس من المواطنين والشرطة والجيش، وتعمد إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية والسياحية والتعليمية بقصد إسقاط الدولة بعد إفشالها.

صحيح أن العديد من هذه المخاطر يجرى وأدها فى المهد بفضل الإجراءات الأمنية من جانب الشرطة والجيش إلا أن بعضها يفلت قبل الإمساك به.

سنجد أن الحدود المصرية ملتهبة، فنظرة على الحدود الشرقية سنجد أن الذراع العسكرية لجماعة الإخوان متمثلة فى حركة حماس رابضة هناك، متنمرة فى سبيل نجدة التنظيم فضلاً عن مشاركتها الفعلية فى أنشطة ضد الدولة المصرية إبان ثورة يناير من ناحية، وبعد سقوط الإخوان فى ثورة يونية من ناحية أخرى، بل إنها متورطة بلا شك فى أعمال عدائية ضد الجيش المصرى فى سيناء، سواء بالمشاركة الفعلية فى العمليات عن طريق كتائب عز الدين القسام ، أوعن طريق دعم جماعات أخرى منبثقة عنها أو ممثلة لتنظيم القاعدة ماليًا وتدريبيًا ولوجستيًا.

بل إن بعض عناصرها تورطت فى أعمال إرهابية داخل الدلتا. ويقف وراءها مستخفيًا على ذات الحدود الإسرائيليون. فالدولة الصهيونية لا تضمر لمصر خيرًا رغم ما قد يبدو على السطح من سلام ظاهرى بين البلدين. خاصة أن ثورة يونية قد أفشلت المخطط الصهيوأمريكى بالتعاون مع الإخوان فى حل مشكلة قطاع غزة على حساب شبه جزيرة سيناء.

ونظرة على الحدود الغربية مع ليبيا، سنجد أن الوضع فى ليبيا غير مستقر، وأن القطاعات القبلية تلعب أدوارًا متباينة لمصالح عصبية بعيدًا عن مفهوم الدولة الحديثة.

زد على ذلك هيمنة جماعة الإخوان وبعض التيارات المتطرفة على المشهد السياسى فيها. دعك من طوفان الأسلحة بالعيارات والأنواع المختلفة الذى أغرق مصر لحساب الإخوان والجماعات الإسلامية المختلفة، وذلك فى أعقاب سقوط القذافى، سواء على سبيل الدعم أو التجارة أو كليهما معًا.

ولكن الأخطر من ذلك أن هذه الجماعات تمثل مخزونًا استراتيجيًا من الإرهابيين يمكن توريده إلى مصر لمناصرة جماعة الإخوان فى تنفيذ مخططها الفوضوى لإستعادة سدة الحكم فى مصر. ومن وراء ليبيا تربض تونس المحكومة حالياً بالنظام الإخوانى الذى يمثل ظهيراً للجماعة الأم. وآخر تجليات المظاهرة تصريحات الغنوشى بشأن توفير اللجوء السياسى لأعضاء الجماعة الفارين من مصر.

وبالنظر جنوباً سنجد نظام البشير الإخوانى فى السودان ، فالأصل فى هذا النظام كان الانقلاب العسكرى الإخوانى الذى قام به البشير / الترابى منذ 1989 م.

وهذا النظام يمثل حالياً الملاذ الآمن للفارين من المطلوبين للعدالة من نظام الإخوان، فضلاً عن كونها مصدرًا مهمًا لتوريد السلاح لمعاقل الجماعة الإسلامية فى صعيد مصر، بخلاف المناوشات التى يثيرها حاليًا حول منطقة حلايب. ومن وراءها ستجد أثيوبيا بموقفها المشبوه بشأن سد النهضة، ودخول قطر على خط التمويل لإفشال المفاوضات حول الترتيبات الممكنة بما لا يضر بمصالح مصر. وإلى جانبها تجد الصومال الممزق بين فرق الإسلام السياسى بما يلقى بظلاله الكئيبة على الحدود الجنوبية. لم يتبق سوى الحدود الساحلية الشمالية التى تطل على البحر المتوسط الذى يربض فيه الأسطول الأمريكى من ناحية، ودول الجنوب الأوروبى التى تسير حالياً فى ركب الموقف الأمريكى المعادى لثورة يونيه من ناحية أخرى.

أما عن مؤامرات الخارج فحدث ولا حرج عن الموقف القطرى والموقف التركى والموقف الإيرانى والموقف الأمريكى على رأسهم. فهذه القوى تعيد مشهد القوى الدولية التى تآمرت على محمد على، وكذا على مصر عبد الناصر، وإن اختلفت المسميات والآليات والأهداف. فإذا كانت مصر قد خرجت من حقبة زمنية تم تجريف الحياة خلالها ، وجرى تبديد كافة أرصدة القوة لديها فيها، بحيث أصبحت حقًا تمثل حالة الرجل المريض الذى يحتاج إلى الدواء الشافى حتى يتعافى من أمراضه، ويسترد صحته.

ومصر بعد إنجاز استحقاق الدستور فى خارطة المستقبل، يتبقى أمامها استحقاقان هما: الانتخابات الرئاسية، والانتخابات البرلمانية، وبهما تستكمل أدوات النهوض وآلياته. تُرى : من هو الرئيس القادم الذى لديه القدرة والكفاءة والفاعلية للتعامل مع هذه الملفات فى ظل الضغوط الأمريكية لمنع الفريق السيسى من الترشح خشية ظهور محمد على أو ناصر جديد فى هذه المنطقة من العالم ؟.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة