مثل سابقاتها من الحكومات، أصدرت حكومة الدكتور حازم الببلاوى، قرارات شكلية، اعتنت أكثر ما اعتنت بالإطار الخارجى للأزمات، دون الدخول لعمق هذه الأزمات، وحلها من منابعها، وهو ما دل عليه طريقة تعاملها مع مصاريف المدارس بإصدارها قرارًا بإعفاء أولياء الأمور منها، تحت ضغط إعلامى، وصحفى، وكأنها تسارع بإعلان قبولها أحد التحديات التى فرضتها المناسبات الحياتية للمصريين، وهى بدء العام الدراسى، ومطالبات كثيرين بإعفاء كواهل أولياء الأمور من المصروفات المدرسية فى المدارس الحكومية.
وإن كنا نشكر للدولة استجابتها، وتعاطيها مع المطالب التى تتطلبها إصلاح حياة المصريين بعد فترات من الضنك والمعاناة، عانوها فى ظل الأنظمة السابقة، فإن، طريقة هذه الاستجابة تدل أيضًا على غياب الرؤية الشاملة، لمنظومة الإصلاح، فنحن لا نتعامل مع حكومة الببلاوى على أنها حكومة تسيير أعمال، مطلوب من وزرائها التوقيع على الأوراق، لتظل الدولة المصرية تسير بنفس الكيفية العنينة التى سارت بها السنوات والعقود السابقة، وهى كيفية عنينة، أى أنها عاجزة فعلا عن التقدم بحياة مواطنيها، وتكفل لهم حياة زائفة، دون أى عمق، فلا تعليم حقيقيًا، ولا دخل حقيقيًا، ولا حياة ميسورة حقيقية، ولا رضا كاملًا عن أى شىء.
وإذا نظرنا إلى المدرسة، هذه المؤسسة الموجودة فى حياة المصريين، موجودة فعلا فى حياة كل منا، موجودة داخلنا، فنحن إما عابرو سبيل بطلاب المدارس، وإما نعمل فى هذه المدارس كمدرسين، أو إداريين، وإما لنا أبناء يتعلمون فيها، إنها مؤسسة عملاقة، متشعبة، متجذرة داخل المجتمع المصرى، ومؤثرة طبعًا، وكيف لا وهى اللبنة الأولى فى تقدم أى بلد، وتحضر أبنائه، هل يكفى لهذه المدرسة، لإصلاحها، أن نكتفى بطلاء أسوارها، أو استبدال «مسامير» فى مقاعدها الخشبية، أو جلب «سبورات» جديدة، أو أقلام «فلوماستر» بدلا من «الطباشير» المصنوع من الجبس، هل هذا هو التطوير والإصلاح الذى تحتاجه مدارسنا ومنظومة التعليم فى مصر، ونحن اليوم نجتاز 2013، إلى 2014، ونجحنا فى إسقاط نظامين، متعاقبين، أحدهما تجاهل القضية برمتها، لمدة ثلاثة عقود، والثانى لم يبد أى بادرة حسنة نحو التحرك لإصلاح هذه المنظومة، بل انشغل عنها بمزيد من الأخونة والعبث فى المناهج.
يظل قرار إعفاء أولياء الأمور من مصاريف المدارس الحكومية، خطوة ليست كافية، على طريق تطوير التعليم، ومنظومة العلم فى مصر، هناك معركة انشغلت بها وزارة التعليم، عن قضيتها الأساسية، وهى إعادة مراجعة المناهج، وتعقب آثار «الأخونة» التى بذرها النظام السابق، كلطع الدود فى محصول القطن الأبيض، لكن يبدو أن وزارة التعليم، بكامل أجهزتها، بكامل عقول رجالها، اهتمت بهذه القضية، على حساب قضية أخرى، أهم، هى القضاء على المدرسة الموازية، المدرسة المتغلغلة داخل كل بيت مصرى، مدرسة الدروس الخصوصية، التى تحطم بجبروتها وعتوها ميزانيات البيوت المصرية، يا مرحى بإلغاء 50 أو 60 جنيهًا مصاريف المدارس الحكومية، ولكن ماذا فعلت وزارة التعليم للقضاء على منظومة المدرسة الموازية، التى تعمل جنبا إلى جانب المدرسة المنتصبة على الأرض، لكنها فى الحقيقة مجرد وهم، فهى لا تمارس دورها، ولا يستفيد منها أولياء الأمور، الذين تتدفق مدخراتهم السنوية، إلى دورة رأس مال الدروس الخصوصية، وهى دورة خبيثة، تشبه إلى حد كبير، عمليات غسيل الأموال، التى لا تمر عبر قنوات شرعية، تتحكم فيها الدولة، أو تمارس عليها رقابتها، أو تستقطع منها ضرائب تذهب مثلا لسفلتة الشوارع.
إصلاح التعليم فى مصر، والقضاء على هذه المدرسة الموازية الخبيثة، لن يتحقق، إلا بإصلاح حال المعلم، ولا يكفيه 1200 جنيه كحد أدنى للأجور، كى يؤدى واجبه كما يجب فى المدرسة الحقيقية، ويكف عن منح المزيد من الدروس الخصوصية التى تساعده على العيش كمواطن له كرامة، كما لن يتحقق إصلاح حال المعلم، بترهيبه، أو ترويعه، أو تهديده بعقوبات حال ضبطه منخرطًا فى عجلة الدروس الخصوصية، الإصلاح الحقيقى للمعلم باستثمار الدولة الحقيقى فيه، بمنحه المزيد من الثقة، والاعتناء، والرعاية المادية، بتوفير ميزانية ضخمة للعلم والتعليم، تقارب فى ضخامتها ميزانية الأمن والشرطة، وما يتم إنفاقه على صفقات الأسلحة، الاعتناء بالمعلم يجب أن يتم عبر حلقات من المتابعة والاستثمار المكثف، بما يسمح للمدرس بالانخراط الحقيقى فى المدرسة الحقيقية، والبعد عن المدرسة الموازية.
وجدى الكومى يحلل: فى مواجهة «المدرسة الموازية».. إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح رواتب المعلم.. الحكومة تسير على خطى الحكومات السابقة فى إجراء التغييرات الشكلية دون المساس بالجوهر
الإثنين، 30 سبتمبر 2013 06:14 ص
وجدى الكومى