حسن زايد يكتب : أوجاعنا الاقتصادية

الخميس، 26 سبتمبر 2013 05:19 م
حسن زايد يكتب : أوجاعنا الاقتصادية نقود

بعيدًا عن المصطلحات الاقتصادية وتعقيداتها، وعن نوعية المذهب الاقتصادى الذى نتبعه، فهذه الأمور تشغل المتخصصين والمشتغلين بالاقتصاد دون غيرهم. أما ما يشغلنا نحن فهو ما لخصه لنا أحدهم فى عبارة واحدة عند حديثه عن النمو الاقتصادى قائلاً: النمو الاقتصادى هو ما أشعر به فى جيبى لا ما أراه فى جيب غيرى. وأنا كمواطن أشعر بجيبى فارغًا ووجعى الاقتصادى قد بلغ منى نخاع العظام. ولا تجدى معى مسكنات طالما اعتدت عليها، وحكومة ما بعد ثورة يونيه قد جاءت بخبرائها ومتخصصيها لتعالج الاختلالات الهيكلية التى يعانى منها الاقتصاد المصرى.

ولن نقبل منها مسكنات باعتبارها حكومة مؤقتة أو تسيير أعمال أو حكومة سكرتارية لرئيس الجمهورية، فهى وإن كانت مؤقتة لأى من الاعتبارات السابقة فلا بد أن تعمل لدنياها كأنها ستعيش أبدًا حتى ولو مشيت غدًا. وما أراه من حكومتنا الرشيدة أنها تعمل باعتبارها حكومة راحلة الآن وليس غدًا، لأنها مصرة على العلاج بالمسكنات، ففى مواجهة موجات الغلاء الفاحش فى السلع والخدمات ذهبت الحكومة إلى دفاتر غيرها القديمة لتقلب فى صفحاتها علها تجد الحل السحرى والعلاج الناجع من داء فحش الأسعار وجشع التجار، ويبدو أنها قد تعثرت فى مرسوم بقانون يرجع تاريخه إلى قبيل منتصف القرن الماضى.

أيام الملك فاروق الأول، وهو المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين المنشور فى الوقائع المصرية فى 4/10/1945. وهو قانون يعالج ضمن أمور أخرى متعلقة بشئون التموين مسألة العقوبة المقررة على من يخالف التسعير الجبرى. وبغض النظر عن المذهب الاقتصادى الذى تتبعه فكرة التسعير الجبرى فإنه قد جرى استدعائها على عجل سواء للتهديد أو للتفعيل لمعالجة الفجوة، بل الهوة الواسعة، ما بين الأسعار ومستويات الدخول والتى بلغت حد الضرب بقسوة فى العظام. فلو جرى تطبيق فكرة التسعير الجبرى ـ ولو جزئيًا على بعض السلع الضرورية ـ فإن ذلك سيؤدى حتمًا إلى خلق ما يسمى بالسوق السوداء، أى السوق التى تعمل بآليات خاصة تحت جنح الظلام بعيدًا عن أضواء المراقبة والتفتيش، وظهور مثل هذه السوق الموازية سيسحب حتمًا السلع المسعرة من الأسواق والهبوط بها تحت الأرض، وإزاء الحاجة الملحة للمستهلك لهذه السلع ـ لأن الطلب عليها غير مرن ـ سيضطر إلي دفع أى ثمن من أجل الحصول عليها، وإلا فلتتحمل عظامه عضة الجوع. وقد يقول قائل إن أجهزة التفتيش والمراقبة فى وزارة التموين ستنشط بقوة لمواجهة مثل هذا الموقف لو حدث بحيث لا تسمح بوجوده أو على الأقل اتساع رقعته. وهذا فى ذاته كلام نظرى، لأن أجهزة التفتيش والمراقبة بفرض سلامتها وإفلاتها من حالة الفساد التى عمت معظم الأجهزة فى الدولة فيما قبل الثورة، فإن هذه الأجهزة ونتيجة تعطيلها المتعمد عن ممارسة دورها ونشاطها طوال الفترة الماضية تحتاج إلى دورات تدريبية مكثفة حتى تكتسب القرة على العمل من جديد، وهذا فى ذاته يتطلب جهدًا ووقتًا ونفقات. وإلى أن يتم ذلك ستكون السوق السوداء قد تخلقت وولدت وشبت عن الطوق. وستجد التمويل اللازم من فئة القادرين على الشراء دون أن يعنيهم من يسحقون من غير القادرين كنتيجة طبيعية لقوي السوق الفاعلة على الأرض. فماذا تفعل الحكومة إذن لمواجهة هذه النتيجة السوداوية التى تتخلق نتيجة التسعير الجبرى؟

لستُ خبيرًا اقتصاديًا كى أشخص الداء وأصف له الدواء، ولكنى أتكلم باعتبارى أحد المضارين بعنف من تشخيص من يشخص، وتوصيف دواء من يوصف. وأعتقد أننا طالما اعتمدنا نظام الاقتصاد الرأسمالى نظامًا اقتصاديًا لنا فلابد أن نتعامل معه بآلياته لا بآليات نظام غيره، فالنظام الرأسمالى نظام حر يخضع لقوى السوق وآلياته، وهناك آليات لمواجهة الأمراض الاقتصادية من تضخم وانكماش. فالتضخم معناه أن النقود العاملة فى السوق زائدة عن الحد، فالمعروض من البضاعة أقل من المطلوب أو بعبارة أخرى الطلب أكثر من العرض. وهنا يتدخل البنك المركزى باستخدام آلية سعر الفائدةـ بزيادة سعر الفائدة للمدخراـت بسحب النقود من الأسواق، وبالتالى تزيد معدلات الادخار، وتتوفر أموال للاستثمار وتدور عجلة الإنتاج، ويزيد المعروض عن المطلوب فتنخفض الأسعار، ذلك كله مع فرض ثبات العوامل الأخرى. أو أن تقوم الدولة باستثمارات فى مجال السلع الضرورية التى نحتاج إلى تخفيض أسعارها بحيث توفر هذه السلع فى الأسواق بالكمية المناسبة ولو بسعر التكلفة، وذلك باستخدام أموال المساعدات العربية فيحدث التوازن النسبى بين المطلوب والمعروض، بما يؤدى إلى تخفيض مستوى الأسعار . أما أن تقوم الدولة بالترقيع عن طريق تقديم منح مالية إلى جانب المنح العينية للأسر الأكثر احتياجًا، وهو تعبير فضفاض يفتح أبواب الفساد، إلى جانب معاش الضمان الاجتماعى. والقول بأن تحديد الحد الأدنى والحد الأقصي للأجور سيحل المعضلة الاقتصادية فهو كلام من لا يرغب فى العمل عجزًا أو تهاونًا لأن مشكلة الأجور فى مصر هى مشكلة هيكلية فى الأساس شأنها فى ذلك شأن الاقتصاد. ونقول للحكومة لقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة فشمرى عن ساعدك بالخطط والسياسات لا بالترقيع ونثر الفتات حتى يشفى الاقتصاد المصرى من أوجاعه. والسياسة هى قاطرة الاقتصاد فإن صلحت صلح الاقتصاد، وإن فسدت فسد الاقتصاد.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة