عندما صاحت الثورات والأصوات فى مصر تنادى بالديمقراطية، لا أعلم لماذا تذكرت عم تهامى جارنا الذى نشئت مع أبنائه طيلة طفولتى وشبابى، كان عم تهامى الموظف البسيط فى شركة الكهرباء الذى لم يحصل على الشهادة الابتدائية.
معروف بالشيخ تهامى الساحر، وهو رجل بسيط من أسوان وكان يحمل كتابا قديما أوراقه صفراء متهالكة ومنفصلة وقد ورثه عن أبيه الذى كان يمتهن نفس المهنة، ورغم خوفى الشديد من هذا الرجل الذى كان يتحدث مع القطط ليلاً ولنظرت عينيه المرعبة لى، إلا أننى كنت أتشوق للذهاب عندهم حتى أقابل عم موسى عضو مجلس الشعب فى ذلك الوقت هذا الذى كنت أتعقب وصوله من عطره الفرنسى الرائع، وكنت أتعجب عندما أجد هذا الرجل الأنيق الذى يأتى مع سائقه يحمل من الهدايا الثمينة لعم تهامى ما تتعجب له العقول، وليس هذا فقط ما يدهشنى لا بل كنت أجد عم موسى كبير موظفى شركة طيران معروفة ينحنى ويقبل يد عم تهامى ثم يبدأ عم تهامى فى تحضير البخور وأوراق الحجاب الذى سيرتديه عم موسى حتى يتنصر على منافسيه فى عضوية مجلس الشعب، أما يوم الجمعة أول كل شهر فقد كنت أنتظر بفارغ الصبر وصول الفنانة المشهورة الجميلة التى تأتى له لتجدد العمل التى تعمله لزوجها الذى يهوى الشغالات، ولتأخذ الحجاب الذى سيحميها من حسد زميلتها فى الفن، ويتوافد عليه طيلة الشهر الصحفيون ورجال الأعمال ناهيك عن أثرياء العرب الذين يأتون من شتى البقاع، فمنهم من يريد حماية تجارته ومنهم من يريد أن يهزم منافسيه وطبعا أكثر مريديه كان من الفتيات اللاتى فاتهم قطر الزواج، وغيرهم من العقيمات اللاتى مستعدين للتضحية بكل ما يملكون على أمل أن ينجبوا ولو طفلا واحدا، وأثناء حياتى هناك رأيت العجب فى حياة هذا الرجل الذى ظل فقيرا، رغم أنه يساعد الناس لتنمو ثرواتهم، وكنت أسأل نفسى لماذا لا يجعل الجن يأتون له بالثروات؟ وطبعا كنت لا أجد إجابة، ورغم أن عم تهامى كان محرما عليه الصلاة والصوم والعمرة والحج، نعم فهو لم يركع ركعة طوال حياته وإلا ذهب عنه السر وبعد عنه الجن الذى سخره لأعماله، وغير هذا كان محرما عليه الذهاب إلى الأطباء فقد كان لا يعترف بهم ولا بعلمهم، ولكن الله أنعم عليه بالذرية الصالحة فقد كان أبناؤه يداومون على الصلاة والصوم وليس هذا فقط فقد كانوا من النبغاء علمياً، فلم تعطى ابنته الكبرى فرصة لآى منا أن تسبقها فى الدراسة فقد كانت الأولى على المنطقة طوال دراستنا حتى دخلت كلية الطب ولا تتعجبوا من هذه الدكتورة التى تدرس فى كلية الطب الآن وتنتشر على شاشات التليفزيون، عندما أقول لكم إنها كانت تضع الماء المسحور الذى قرأ عليه أبوها تعويذاته السحرية كانت تحقن به علبة العصير وتعطيه لزميلها الدكتور حتى يقع حبها فى قلبه ويتزوجها، نعم فهذه كانت معتقداتها غير إنها كانت تتباهى أمامى بأنها ملبوسة من أمير الجن وأن والدته ملكة الجن تحارب حبه لهذه الإنسية، أما عن أختها شدية الذكاء التى تعمل مخرجة فى قناة فضائية مشهورة جدا، فقد كانت ترتدى أكثر من خمسة أحجبة لحمايتها من شرور زملائها ولكى تجد العريس المناسب، أما أخوهم مهندس الصوت بنفس القناة فقد كان يقرأ التعويذات السحرية على مديرى القناة الذين كانوا يضطهدونه، وفجأه مرض عم تهامى مرضا شديدا وغريب احتار أمامه الأطباء فقد كانت حالته نادرة ومات دون أن يفهموها، وعندما ذهبت للعزاء وجدت جارتى وصديقتى التى لم أرها من سنين طويلة بعد أن هاجرت إلى إنجلترا مع زوجها الإنجليزى وحصلت على الجنسية الإنجليزية هى وأبناؤها، وكانت فى حالة هيسترية من الحزن على عم تهامى فتعجبت وسألتها ما بك؟ فقالت إنها جاءت مخصوصا من لندن حتى تطلب من عم تهامى أن يعمل سحرا لزوجها الإنجليزى الذى وقع فى غرام فتاة أمريكية، وهنا لم أستطع أن أتمالك نفسى من هسترية الضحك، كنت أضحك على نفسى وليس عليها لأنى كنت أعتقد أن الجهل هو من أصاب مصر بهذه النكبات والتدهور المستمر، فها أنا أصطدم فى تيه شل تفكيرى، إذا كان هذا حال المتعلمين فى مصر فما حال الجهلاء الفقراء؟ وإذا كانت الديمقراطية هى حكم الشعب للشعب، لا أسعى غير أن أقول (ألف سلامة عليكى يا مصر من الديمقراطية ).
أرشيفية