كيفَ لمن أباح قتلى وأراد الذل لعلمى واستبدال مُرتزقة بجيشى، ودعا المخبولينَ أن ينقلوا أهوال الشام وفتنة الرافدين إلى أرضى كيفَ لهؤلاء أن يصبح الدفاع عنهمُ فضيلة!
سيدى صاحب الخبرة الطويلة، أخشى أنكَ إذا كنتَ الرئيسَ لتنازلت عن منصبك لمُرسيهم، أو تركتهم فى الميادينِ حتى يتحللونَ فتخنقَ رائحتهم من تطوله، ثمَ خرجتَ علينا تدعى الحكمةَ وتنتظر التصفيق.
قبلَ قبولك منصبكَ الحالى، أعلنَ أنصارَ "دُمية بديع" أنهم لن يقبلوا نقاشاً أو رأياً قبلَ عودتهِ وألا يُحاسب أى من قادتهم على الأفعال الحمقاء، ورغمَ علمكَ بمطالبهم التى إذا قبلتها أنت أو غيرك مهما طالت هامته، سيلحقه الشعبُ بهم بلا رجعة، إلا أنكَ ظهرت كالمتفاجئ، كالأملَ خير فى سبعٍ جائعَ لا يحده شىء!
سيدى، إذا كنت مسئولا فيجب عليك أن تُراجع نظرتك إلى "الإنسانية"، فهذه ليست مسألة شخصية، ربما إذا كان الأمر يخصك وحدك لسامحت قاتلك، وطالبت ألا يٌعاقب سارقك، وعندما تقول إنك فعلت ذلك من أجل الإنسانية، ربما يحييك البعض ويصفونك بالرجل النادر، بالمناسبة، كثير من الشخصيات العظيمة كانوا يفعلون مثل ذلك.
هذه الأمور تخصك وحدك، وأنت حُر، وسيد قرارك، لكن عندما تصبح قضية شعب، وحق وطن، فعليكَ أن تفرق بين تفكير ترضى أنتَ عنه، وتفكير يرضى عنه شعب، وحقٌ لكَ يمكن أن تتنازل عنه، وحق آخرينَ جعلوك أميناً عليه، و تنازلكَ عنه جريمة.
عُثِرَ على إحدى عشرة جثة عليها أثار تعذيب فى محيط رابعة، هؤلاء كانوا أحياء، لكن تم اصطيادهم كالفرائس وتكميم أفواههم وغل أياديهم وأرجلهم ونزع جلودهم وتشويه وجوههم وبتر أطرافهم وتطويق رقابهم بالحبال والجنازير، وتحطيم رؤوسهم بالعصى والحديد، وكسر أضلاعهم، ألا آلمك صراخهم، ألا حركت إنسانيتك عبراتهم، ألا أبكتك دموع أسرهم، ألا حطت فى قلبكَ طيبةً لهم.
كانوا يحلمون كما حلمت أنتَ عندما كنتَ فى عمرهم، أتسمح الإنسانية أن تُدافع عن أشخاص عذبوا أشخاص حتى الموت، والله، لو خرجَ هؤلاء من القبور، لاعتصموا فى التحرير حتى تعتذر أو تُغادر.
وأخيراً، كيفَ ننقد المتشددين من الدينيين لأنهم يُريدون تفسيراً جاءَ منذ أكثر من ألفِ عام ويريدونه – هو نفسه – أن يؤُخذ به فى هذه الأيام، متجاهلينَ أنَ الذى وضعَ التفسير فى الأصلِ بشر وأنَ الظرف يختلف، كيف ننقد هؤلاء، ولا تريد منا نقدكَ، فأنتَ كهم وهم كأنتَ، مع اختلافات بسيطة!
صورة أرشيفية