كيف مات نيرودا؟ هل قتل توت عنخ أمون؟ هل ماتت شجرة الدر من القباقيب أم أصابتها أزمة قلبية؟ هل مات سقراط بالحسرة أم بالسم الذى دسه له أغبياء أثينا؟.
لازال العالم منشغل بأسرار موت هؤلاء وغيرهم والأجدى أن يسأل كيف عاشوا؟
فى مذكرات ماركيز "عشت لأروى" حياة حافلة بالتجارب والإبداع الذى لم يتوقف لحظة وفى هذه المذكرات المحتفية بالحياة والإبداع والصدق يمكن أن نعرف كيف عاش هذا المبدع الأسطورة وندرك أن أسئلة الحياة أهم من أسئلة الموت، فماركيز حينما اكتشف الكلمة المبهمة الإلهام فرض على نفسه فى ليلة الاكتشاف التزامًا حربيًا إما أن يكتب رواية وإما أن يموت، وتأكد أنه غير قادر على أن يعيش دون كتابة فهى له كالتنفس ومن هذه اللحظة أطلق العنان لقلمه ليفرغ كل المادة الخام التى فى أعماقه ففوجئ بشلال من الورق يخرج من الآله الكاتبة.
حينما اضطرته الظروف أن يعمل صحفيًا كان رئيس التحرير يطالبه بعمل ريبورتاج بطول مترين أو متر ونصف من الورق. وعند اختراع الكمبيوتر ظل الحنين لهذا القطع من الورق يعاوده وهو فى أوج النضج. فى اللحظة الأولى التى جلس إلى أوراقه مقررًا أن يكتب أول رواية اجتاحه اندفاع بلا كابح فقد معه الإحساس بالوقت واكتشف أن الروايات لا تبدأ مثلما يريد مؤلفها وإنما مثلما تريد هى وبالتصميم الخلاق على أن يشق طريقه بالمناكب قرأ كل ما هو جدير بالقراءة ولازم كبار المثقفين والمعلمين وأساتذة الكتابة الكبار وصار المقهى هو البيت الذى لا يملكه يلتقى فيه بأصدقائه ويبدأ حديث الفنون والآداب والمجد مع الذين يعيشون فى الموسوعات على حد تعبيره وفى هذه الفترة قرأ كل ما عثر عليه من أعمال جيل الضياع بالإسبانية مع اهتمام خاص بفوكنر الذى كان يجرفه بإلحاح شفرة حلاقة دموية بسبب خوفه من ألا يكون على المدى البعيد أكثر من بلاغى ماكر وكان يستشهد بأقوال أساتذته فى زاويته الصحفية "الزرافة" ويعتبر ذلك رياضة إيقاعية من أجل تعلم الكتابة.
وفى عمله الصحفى تحدى ماركيز اللغة الاصطفائية عسيرة الهضم التى كانت تتأصل فى الصحافة الكولومبية آنذاك وعانى وعانت الصحف التى عمل بها من شح الموارد المالية. وكان مضطرًا أحيانا هو وزملاؤه أن يوزعوا الصحف التى يعملون بها ولا يشتريها أحد فى البارات مقابل مقادير من الكحول. لم يكسب ماكيز مالاً إلا من الآله الكاتبة، ورغم ذلك فإن أول حقوق مؤلف حصل عليها وأتاحت له العيش من قصصه ورواياته دفعت له وهو فى الأربعين وبضع سنوات وبعد أن نشر أربعة كتب بعوائد زهيدة وما قبل ذلك كانت حياته مضطربة على الدوام. كان كتاب ألف ليلة وليلة هو أكثر الكتب تأثيرا فيه وتعلم منه أنه لا يجب علينا أن نقرأ ألا الكتب التى تجبرنا على إعادة قراءتها.
كان أيضا مغرما بالموسيقى ويتمنى أن يصير موسيقيا يتنقل من مهرجان شعبى إلى آخر مزودا بأكورديون وبصوت جيد ويرى أن هذه أفضل الطرق لقص حكاية وكان يقول: إذا كانت أمى تخلت عن البيانو لكى تنجب أبناء وعلق أبى الكمان ليتمكن من إعالتنا فإن العدل يقتضى أن يستشعر أحد أبنائهم تلك السوابق الطيبة ليموت جوعا من أجل الموسيقى، استغرق سنوات ليتعلم الاستماع إلى الموسيقى والتمييز بين الجيد منها والردىء ورغم غرامه بالكلاسيكيات، والألوان الهامة للموسيقى كانت الموسيقى الشعبية تملأ قلبه بالسعادة ويقول إنها أشبه بالعثور على الشعر مذابا فى حساء الحياة اليومية أيضا جرب كتابة الشعر لكنه كان يختبىء خلف اسم مستعار لأنه لا يرى فيما كتبه قيمة شعرية كبرى إنما مجرد تمارين حرفية دون إلهام ودون تطلعات، كان مصرا أن يكون كبيرا فى الرواية ويرى أن الحظ حالفه باكتشاف من هم مكتشفون بالفعل ليتعلم منهم خاصة أصحاب الظل الأسطورى الذين تتميز بهم مراحل الكتابة المختلفة .على المقهى جلس مع بابلو نيرودا وتعلم منه أن الشعر لابد وأن يكون سلاحا سياسيا وعندما سطع نجم ماركيز كان دائم السخرية من أن على هامش النجاح الأدبى الذى حققه تقابله مشاكل أخرى أكثر دنيوية ودعابة فقد صار أصدقاؤه الغافلون يوقفونه فى الشارع ليطلبوا منه النقود ولم يصدقوا أنه لا يتلقى سنتا واحدا مقابل النشر وكانت أمه حتى بعد أن صار كاتبا تعيد إليه رسائله لها وقد صححت ما فيها من أخطاء إملائية.. جزء من أسطورة ماركيز صنعها توحده المطلق مع ثقافة الكاريبى وأنه لم يكن يقرأ للمتعة فقط وإنما ككاتب حرفى وبدافع فضول لا يرتوى لديه لمعرفة كيف كتبت هذه الكتب التى يقرأها.. كان يقرأ الكتب بصورة سوية وبالمقلوب ويخضعها لنوع من نزع الإحشاء الجراحى بغية التوغل فى أشد أسرار بنائها خفية والمكتبة كانت أداة العمل التى لا يستغنى عنها مطلقا.