قصة بطلنا هذا الأسبوع هى حكاية تشبه عشرات الحكايات التى قد تكون شاهدتها فى فيلم هنا أو رواية هناك، قصة تحوى كل عناصر التشويق غير أنها لم تنتهِ بعد، فهى رحلة رجل من عالم الفقر إلى عالم الثراء ثم السلطة ثم الهبوط من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، إلى زنزانة فى أحد سجون مصر ينتظر تقرير مصيره يوما بعد يوم صارخاً يا أعزائى كلنا حرامية، ويكاد صراخ البطل أن يخرق جدران السجن حتى ظن زملائه والمسئولون عن السجن أن عقله قد ذهب فنقلوه إلى قسم الحالات الخاصة النفسية ومازال هناك ينتظر تقرير مصيره، فتعالوا معى لتعرفوا حكاية رجل انتهت حياته أو تكاد وهو يصرخ يا أعزائى كلنا لصوص.
ولد ميم فى منطقة باب الشعرية، منطقة شعبية تعج بالحرفيين وموظفى الطبقة الفقيرة وبعض من كبار التجار الذين يفضلون السكنى إلى جوار تجارتهم، فى هذه المنطقة ولد ميم لأب حرفى لا ينتمى لطبقة الموظفين ولا ينتمى لطبقة كبار التجار، وكان ميلاد الولد بعد عدد من البنات سببا فى فرحة الأب والمنطقة المؤازرة بأسرها، فهو قد ولد فى زمن كان المصريون فيه وخاصة فى المناطق الشعبية يؤازرون البعض فى الفرح والحزن والميلاد والممات وكافة أنشطة الحياة.
كبر الولد فى حضن باب الشعرية وفى أحضان ورش النجارين حيث كان يصحب والده إلى عمله وللحق كان الولد نابه يلتقط العمل اليدوى بسرعة شديدة وفى نفس الوقت يتقدم فى دراسته وكان كل أصدقاء والده ينادوه بلقب الباشمهندس.
ولم يخيب الشاب أمل أسرته الكبيرة أو الصغيرة فقد التحق بكلية الهندسة طالبا مجتهداً أملاً فى مستقبل يفتح ذراعيه له، فمصر حتى ذاك الوقت كانت تسمح لأبنائها بحلم الانتقال من طبقة لأخرى إذا امتلك صاحب الحلم مقومات الانتقال، وبطلنا كما كان طالب نابه فى المدرسة كان أيضاً طالب نابه فى الجامعة ورغم ظروف الأب المادية الصعبة فللحق لم يتوان فى أن ينفق أغلب دخله على الباشمهندس حتى لا يشعر بأنه أقل من أى زميل أو زميلة له، ورغم ذلك كان الشاب يشعر بالفارق خاصة مع هؤلاء الطلبة الذين يدخلون باب الجامعة بسيارة حتى لو كانت صغيرة، ولكن ربما كانت تحدثه نفسه الطموح بأن فى الغد سيكون لديه سيارات وليس سيارة واحدة ليدخل بها الجامعة.
تخرج ميم من الجامعة وتم تعينه معيداً لأنه كما اعتاد كان من الأوائل، وفى هذا الزمان أيضاً كان أوائل الدفعات يتم تعينهم معيدين دون كارت توصية أو لأنه أبن فلان أو علان فلم يكن الفساد قد ضرب بقوة مصر آنذاك على الأقل فى الجامعة.
وكأى شاب فى سنه ومركزه صار مطمع بنات المنطقة حتى كبار تجارها كانوا يظنون أنه سيتقدم لأحدى بناتهم ،ولكن ميم كانت له نظرة أبعد فإن كان لم يحتاج الوساطة ليصبح معيد بكلية الهندسة إلا إنه شعر بالحاجة لكارت وساطة لينتقل من منطقة باب الشعرية وأهلها لمنطقة مصر الجديدة وأهلها فقرر أن يكون كارت وساطته الزواج من ابنة أحد بهوات مصر الجديدة الذى رفضه كعريس لابنته فى أول الأمر فكيف بابن الحرفى يتزوج ببنت البيه، ولكنه قبل بعد ذلك على مضض حين أصرت البنت.
تم زواج المهندس الشاب بابنة مصر الجديدة وما هى إلا شهور واتته بعثة للدراسة فى كندا فسافر مصطحباً زوجته ،قضى الشاب سنوات ليعود حاملاً شهادة الدكتوراه ولكن كما يقول المثل على الحميد المجيد أى بلا مدخرات فالبعثة لا تسمح بالتوفير.
وعاد إلى مصر ليعمل بالجامعة وافتتح مكتب صغير للاستشارات الهندسية، واستطاع من خلال هذا المكتب أن يوسع دائرة معارفه وارتبط بالعمل مع بعض من الشخصيات النافذة ليس لأنه المهندس الأكفأ ولكن لأنه كان المهندس الذى يقبل أن يضع إمضاءه على كثير من الأوراق الغير مستوفية الشروط، وقد استطاع حين ضرب الزلزال مصر فى التسعينات أن يفيد كثيراً من أصحاب العقارات القديمة بشهادات تسمح بهدم هذه العقارات رغم صلاحيتها حتى أن كثيراً من ذوى النفوذ راحوا يشترون عقارات قديمة بالقليل ويحصلون على شهادة الدكتور فيهدموها بالقانون.
وكأن خيط الفساد فى ذلك البلد مرتبط ارتباط وثيق بفتح أبواب السلطة، فالرجل استطاع أن يلوث سمعته المهنية مما منحه بطاقة الدخول إلى عالم السلطة، فصار الدكتور وزيراً.
وما أدراك أن تكون وزيراً على أرض مصر بطولها وعرضها وصحاريها وجبالها ونهرها وبحارها، إنه اختبار لذو العزم وبطلنا لم يكن من أهل العزم ولكنه كان من أهل الطموح فصار معادلة فى أى اتفاق للبيع وكان البيع على ودنو كما قال توفيق الدقن.
صار الدكتور من أقوى رجالات مصر ولكنه بقى فى الظل من أضعف رجالاتها أمام الزوجة التى لم يستطع أبدا مهما جنى من سلطة أو ثراء أن ينسيها أنه تزوجت ابن حرفى من باب الشعرية حتى لو نسى هو فهى كانت تذكره فيغدق عليها بالهدايا أكثر وأكثر علها تنسى ولكنها لم تكن تريد أن تنسى حتى لا يفلت من يدها.
وظل الرجل سنين فى السلطة برغم الفساد وحتى حين خرج منها خرج مكرماً فقد أسدى لكل صاحب نفوذ خدمة لا يستطيع معها إلا أن يُبقى على ميم بلا حساب، فحسابه حساب لعصر بأكمله فكان يتفاخر فى جلساته الخاصة بأنه فوق الحساب.
ولكن من قال أن الحساب يتأخر وإن نسينا فى غمرة الأحداث هذه الحقيقة فقد أتى وقت حسابه بعد أن تصور ألا حساب فراح يصرخ فى زملاء الزنزانة التى جمعته مع رموز عصره يا أعزائى كلنا حرامية فلِمَ الحساب.