لم يبق سوى أن يقوم الرئيس محمد مرسى بنفسه بالإشراف على امتحانات الثانوية العامة، والمرور على المدارس، ومصافحة الطلاب داخل اللجان، والمراقبة على الامتحانات للتأكد من أن امتحانات الثانوية آمنة!
لا تندهش فما يحدث الآن أكبر وأخطر من ذلك، فالجيش بنفسه يقوم بنقل أسئلة امتحانات الثانوية إلى المحافظات، وذلك عن طريق تخصيص عدد من طائرات النقل الجوى لنقل الأسئلة، خاصة فى المناطق الحدودية والنائية التى يشرف الجيش بنفسه على تأمين الامتحانات فيها، علاوة على أن ضباط الشرطة موجودون أمام وداخل كل اللجان على مستوى الجمهورية، وكأننا بالضبط فى معركة حربية، إما النصر فيها أو الشهادة.
إنه بالضبط ما كان يتمناه الاستعمار البريطانى لكنه لم يخطر بباله!
القصة بدأت عندما سقطت مصر فى قبضة الاستعمار البريطانى عام 1882، ولم يكن له هدف وقتها سوى أن يكره المصريون التعليم، ولم يجد الاحتلال طريقة يفعل بها ما يريد سوى الامتحانات، فجعلها وسيلة فى يد السلطة تستخدمها كيفما شاءت وكما أرادت، سواء بالترغيب أو بالترهيب، من أجل أن ينصرف الشعب المصرى عن التعليم بعدما ظهر العديد من الزعماء الوطنيين فيه بفضل التعليم، وتحديدا بفضل اللائحة التى وضعها على مبارك - أبوالتعليم فى مصر - فى 29 من إبريل 1868، وذكر فيها ضرورة أن يجرى الامتحان فى الكتاتيب بمعرفة من كانوا يقومون بالتعليم، وبمعرفة من يلزم من الفقهاء، وأن يحضر أهل القرية يوم الامتحان ليحتفل التلاميذ مع أهلهم بهذا اليوم.
لكن الاحتلال استطاع بعد تغيير لائحة على مبارك تضييق فرص التعليم أمام الناس وإحاطة الامتحانات بأجواء من الرهبة، وجعلها أداة للتخويف والإرهاب، فتم اختراع أرقام الجلوس!
ولأول مرة لا يقوم المعلمون بالامتحان، وإنما يوكل إلى «لجنة ممتحنين» خاصة، وتكتب الأسئلة بواسطة اللجنة، وترسل إجابات التلاميذ مغلقة فى مظاريف «مبرشمة» إلى المستشار الإنجليزى نفسه لتأخذ أرقاما سرية، ثم يستطيع المعلمون بعدها أن يصححوها.
هنا بدأت تشيع روح الخوف بين الطلاب وتصبح الامتحانات «شرا لابد منه» وتخرجت أجيال لا تستطيع أن تعلن عن رأيها بصراحة، ولا تعرف سوى «الحفظ والتسميع»، وبمرور الوقت صارت هناك لجان امتحانات عامة ولجان خاصة ولجان صفوة، حتى وصلنا إلى أن تتم امتحانات الثانوية بإشراف الجيش الذى شغلناه بكل شىء، وكأننا لا نريد له أن يقوم بمهامه فى الحفاظ على أمن الوطن من الأعداء فى الخارج، لكن يبدو أن هناك من يظن أن أعداء الداخل أخطر وينتظرون امتحانات الثانوية!
من الواضح أن الرئيس مرسى يتابع هذه الامتحانات ويتأكد بنفسه من سلامة تأمينها؛ لأنه من المؤكد أنه لا أحد سوى الرئيس يمكن أن يأمر القوات المسلحة بتأمين الامتحانات ونقل أوراق الأسئلة بطائرات حربية.
لكن هناك ما هو أخطر وأسوأ من ذلك، فالسادة واضعو الامتحانات تفننوا فى ذكر اسم الرئيس، وجماعته، وإنجازاته، والهجوم على معارضيه فى أوراق امتحانات طلاب النقل، ولم يعد غريبا أن نجد مدرسا يؤمن أن الرئيس مبعوث العناية الإلهية للشعب المصرى، وهذا حقه!. نعم من حقه أن يرى فى رئيسه ما يشاء، ويتحدث عنه كيفما شاء، ويثنى على أدائه كما يريد، ولكن بشرط واحد فقط هو أن يفعل ذلك فى بيته، وليس فى المدرسة أو فى ورقة الامتحان، التى صار من الوارد أن نجد فيها سؤالا يقول: اكتب عن أحد إنجازات الرئيس محمد مرسى خلال السنة الأولى من حكمه مع إيضاح عدد مرات ذكر اسم مرسى فى القرآن؟!
لا تندهش عندما تجد هذا السؤال فى ورقة الامتحان، ولا تتعجب عندما تجد طالبا يؤكد أن الإجابة الصحيحة هى «مرة واحدة» فى الآية 41 من سورة هود، وهى قوله تعالى: «وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها».