سمية الرمسيسى تكتب: أنقذوا أمى

الأحد، 30 يونيو 2013 08:55 ص
سمية الرمسيسى تكتب: أنقذوا أمى صورة أرشيفية

امرأة جميلة جدا لها بشرة خمرية وعينان لا معتان لونهما مزيج بين البنى والأخضر الزيتونى.. أمى لها عقلية لمَاحة ذكية.. لسانها لا ينطق سوى الكلمات النظيفة والأساليب الراقية.. كما أنها متدينة متسامحة ذات يد سخية دائما أطلق عليها التوليفة النادرة لأنها تمتلك النادر والجميل من كل شىء.. أنا لا أمتدح أمى إنما أقول الحقيقة وأنتم تعلمون ذلك جيدا كما تعلمون أنى لا أنطق الكذب فقد ربتنى جيدا.. المهم جاء يوم ومرضت أمى مرضا شديدا لم نكن نعرف ما هو وما أصابها كل الذى نعلمه أنه خليط من أمراض مختلفة كانت تعانى منها أمى لكنها لم تكن تخبرنا ولشدة مرضها لم تستطع التكلم أو الشكوى. وهلعنا أنا وإخوتى عليها وأصابنا جزع شديد وتملكنا الخوف وافترستنا الهواجس.. فطلبنا الإسعاف ولشدة بطئه اضطررنا إلى حمل أمى وهرعنا نحن والجيران إلى المستشفى.. كان الطريق طويلا وانضم إلينا معظم من رآنا من الناس ولكن لم يكن الجميع محبا عاشقا.. كان منهم المشفق المواسى..ومنهم الشامت...الخائف والمذعور...المتفرج...والمتعجب...المقلد..الواعظ.. المتكلم ومطلق الشائعات...المهم أنه انضم إلينا الكثير حتى امتلأت الشوارع وغصت بهم الميادين..وتوقفت السيارات وازدحمت جميع المناطق فالكل يريد المشاركة...وتعالت الأصوات حتى بلغت عنان السماء...واختنق الجو فاقتتل فئة من الناس حتى خيُل إلى أننا لن نصل الى المستشفى وإن وصلنا فحتما ستكون أمى قد ماتت.. ولكن وأخيرا وبعد كثير من معاناة وجهد وصلنا المستشفى.. ووقفت أمامنا عقبة لم تكن فى حسباننا.. الإجراءات الحكومية الخانقة ذات النفس الطويل وصرخ الناس "دكتور المرأة ستموت" وتحت صراخ الناس وتدافعهم وازدحام المكان واختناق الجو واقتتال البعض واندفاع الأطباء اختار الناس أخيرا دكتور وهم يصرخون أنقذ أمنا يا دكتور وكان بعضهم يبكى فنسمع نحيبه والآخر يضحك فتصدم آذاننا قهقهاته.. وآخرون أخذت الدموع تملأ عينيهم ولسانهم يطلق النكات الساخرة...وبعضهم كان يشتم...وآخرون يقذفون الشائعات...وهناك من يبتهل ورأينا زائغى النظرات فاغرى الأفواه.. وفى الزاوية البعيدة حامل قلم ويخط على ورق...وأخيرا دخلت أمى غرفة العمليات لتجرى لها عملية جراحية خطيرة فهى مصابة بمرض فى القلب وخطره يهدد الدماغ وبالتالى حياة أمى فى خطر.. وبالرغم من أن الدخول إلى غرفة العمليات ممنوع إلا أن ازدحام الناس وتدافعهم وارتفاع أصواتهم بالصراخ.. كما أن الهمجية والفوضى التى دبت بينهم ترتب عليها انتهاك القوانين واختراق اللائحات فدخل الجميع غرفة العمليات صارخين متدافعين راكضين واختنقت الغرفة بالانفاس اللاهثة ومعها زادت نسبة الخطر على أمى بازدياد البكتيريا والجراثيم والفيروسات غير المرئية السعيدة بتلك البيئة الخصبة والظروف المتاحة.. ومما زاد الطين بلة! أن أحدهم أخذ يدخن السجائر وينفث دخانها بعنف فى الهواء متحججا بأن أمى قد عكرت مزاجه وصفو عقله! ومما أصابنى بالذهول أنه عندما شرع الدكتور يمسك أدواته والانحناء على أمى لإجراء العملية تهافت الجميع منهم من يمسك يده مدعيا مساعدته وآخر يدفعه بانفعال شديد أرعن...وثالث بدأ يلعب فى الأدوات مدعيا الاستكشاف وحب الاستطلاع وهناك من اختطف مشرط الدكتور ومقصه وراح يشهره فى وجوه الآخرين.. وأخيرا تمكن الدكتور من فتح صدر أمى وكم كان المنظر مؤلما مروعا فقد اصبح القلب مكشوفا امام الجميع نابضا قاذفا بالدم الذى اخذ ينساب لزجا قانيا وأخذت نقاطه تنساب فى كل مكان وعلى كل شئ...كاد المرض أن يتمكن من قلب أمى كله فلم يترك سوى بعض من نبض...وزاد المى وذهولى حينما رايتهم يضعون يدهم فى الجرح فى البداية كانوا يتحسسونه ثم زاد الى الضغط الشديد ثم يقبضون عليه بعنف مما جعل الدم ينساب على قبضات أيديهم.. وهناك من أخذ يرسم بالدم ويلعب به وثالث أخذ يشد فى العروق وكأنه يلهو بآلة كمان وتدافعت الأجساد والأيدى الكل يريد غمس يده فى جرح أمى متذرعين بالأسباب وجميع المبررات مما جعلنى أصرخ: أمى تموت.. أنقذوا أمى.

لكن لا أحد كان يسمعنى أو يكترث بى فالضجيج كان قد ملأ المكان...وتلون الجميع باللون الأحمر أغلبهم تلوثت يده بالدم ومع تدافعهم ودفعهم للطبيب أصبح هو الآخر مهزوزا مشتت العقل ضائع الصوت زائغ العين وارتجفت يده ولمحت فى عينيه دموعا...ومما جعلنى أنهار فى البكاء وأفقد السيطرة تماما على مشاعرى أن أمى كانت تجرى لها تلك العملية دون استخدام أى نوع من أنواع التخدير وإنها كانت حية مفتوحة العين فاقدة النطق لكن بين حين وآخر كنت أسمع منها آنة مكتومة ورأيت دموعها تنساب على وجهها الخمرى الصافى وتجاهل الناس دموعها.. وانفرجت شفتاها الجميلتان عن ابتسامة حانية محبة وكانت نظرات عينيها المبللة بالدموع تطمئنا وتحنو حتى أن دموعها أخذت تكفكف دمعى.. ولمحت من بين حنانها خوف مشوب بألم وعتاب حتى لكأننى سمعتها تقول لم أربيكم هكذا يا أولادى.. كانت تحاول تحريك يدها لتهدئ الناس وتربت على أيديهم وتشد من عزيمتهم وكأنها تقول لهم يا أولادى ما دمتم بخير فأنا بخير.. ومازالت أمى راقدة على السرير مفتوحة الصدر ومازال الدكتور محنيا يحاول مداواتها ومازال أولادها يتدافعون ويصرخون ويتقاتلون...
ومازلت أنا أصرخ أنقذوا أمى.






أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة