سيدة، فتاة من الريف نزحت إلى القاهرة فى التسعينيات لتعمل مساعدة فى البيوت وتقع فى هوى شاب تتزوجه ثم يختفى فجأة بعد شهور سارقاً مصاغها القليل وبعض النقود دون أثر إلى أن تكتشف صدفة صورته فى صدر صحيفة كأحد الإرهابيين منفذى جريمة قتل السياح فى ميدان التحرير.
بعد سنين وفى الأحداث التى تلت الثورة فى صراع الشعب مع الإخوان فى أحد التظاهرات التقى مرة ثانية بسيدة ولكن ليس كما عرفتها فهى صارت منتقبة ولكنها حمتنى من الغاز المسيل للدموع بخمارها وكان السؤال منذ متى تعرف سيدة المعارضة السياسة وتخرج فى مظاهرات وهى المرأة البسيطة المخدوعة فى قصة حب، وما حكاية النقاب مئات من الأسئلة أمطرتها بها ونحن نحاول الاختباء سويا من الدخان والطوب ولكن تلك حكاية أخرى طويلة.
جلسنا أنا وسيدة على رصيف أمام عمارة بعيدة نسبياً عن الغاز وقد كشفت لى وجهها لأتأكد أنها بالفعل سيدة التى عرفتها وللحق لم يغير الزمن كثيرا من ملامحها غير أنها صارت أكثر نحافة مما كانت.
وكانت تلك هى الحكاية، فبعد أن اكتشفت سيدة صورة زوجها الهارب على غلاف جريدة متهم بجريمة إرهابية عادت إلى منزلها وهى فى حالة يرثى لها حتى أنها فقدت وعيها على رأس الحارة التى تسكنها، وحين أفاقت وجدت بعض من جاراتها حولها وهم يعيبوا عليها بأنها ترهق نفسها وكيف لم تكن تدرى بحملها، فصارت المصيبة مصيبتين أنها زوجة لإرهابى هارب وكمان حامل منه.
مشاعر متضاربة وحيرة كادت أن تعصف بها غير أن الأمر لم يستمر طويلا فقد دق بابها مجموعة رجال يرتدون جلابيب بيضاء قصيرة ولحاهم كثيفة وبدا أنهم ممن يطلق عليهم أهل المنطقة السلفيين ورغم عدم معرفتها بهم فقد استأذنوا فى الدخول، وبعد التحيات والسلامات والذى منه قالوا لها إنها زوجة رجل منهم وأن المصاغ والمال الذى ظنت أنه سرقة هو دين فى رقابهم وأنهم استخدموه لنصرة الله.. كلمات كانت تشبه بعض مما كان يقول زوجها ولم تكن تفهمه ولكن حبها له جعلها تكتفى بدور المستمع، ولكن مع هؤلاء الرجال خوفها هو الذى كان يدفعها للصمت وللقيام بنفس دور المستمع، ولأنها كما قالوا لها زوج أخ لهم وكما عرفوا تحمل طفله فهى ملزومة منهم وأنهم سينفقون عليها ويتكفلون بها وبطفلها إلى أن يشاء الله ولكن طلبوا منها أو على الأصح أمروها أن ترتدى النقاب وتلزم بيتها ولا تعود للعمل مرة ثانية.
وبالفعل التزمت سيدة بتعليمات الرجال الذين زاروها وكان بين الحين والآخر، يأتى رسول لها ببعض المال والتزامات البيت من طعام وخلافه ومرت الشهور ووضعت سيدة طفلة واستمرت المساعدات تأتى لها عبر رسل مختلفة.
وفى أحد الأيام عاد مجموعة الرجال أصحاب اللحى والجلباب إلى زيارتها مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت ليطلبوا منها أن توافق على الزواج من أحد الإخوان الذين حددوه هم ولم تكن تعرفه، وحين استفسرت كيف تتزوج وهى على ذمة رجل آخر قالوا لها إنهم شهود على طلاقها الذى لم تشهده هى نفسها، وللحق لم يكن أمام سيدة إلا الموافقة فمن يملك قوت النساء يملك قرارهم.
وانتقلت سيدة إلى منطقة أخرى وبيت جديد لم يكن أفضل كثيراً من حجرتها القديمة ولكنه كان أفضل على كل حال، وصارت مرة أخرى زوجة لرجل لم تعرف عنه الكثير كما كان الحال أول مرة.
كانت سيدة الزوجة الثانية فى البيت ولم تكن الزوجة الأولى كما صورتها فى مسلسلات التلفزيون سيدة تأكل الغيرة قلبها وتكيل لضرتها، على العكس كانت إمرأة طيبة مرحبة بالضُرة الجديدة التى أفهمتها أنها ليست الأولى ولكنها ربما الرابعة ولكن الأخريات تم طلاقهن وذهبن لحال سبيلهن.
عاشت سيدة فى بيت زوجها الجديد حياة مختلفة فقد كانت جزء من قبيلة فيها نساء ورجال وأطفال يسافرون شرقاً وغرباً فى الصحراء أحيانا وفى نجوع الدلتا الفقيرة يذهبون ويقول الناس عنهم أنهم بتوع ربنا فأحيانا يعلموهم القرآن وقراءته وأحيانا يخطبوا فيهم فى ضرورة حجب النساء وأحكام الدين فيهم وصارت سيدة بالتبعية داعية للدين كما فهمته من جماعة زوجها، صارت من لم تكن تفك الخط إلا يسيراً داعية للدين كما أفهموه لها.
أنجبت سيدة طفلين من زوجها رغم أن الرجل كان قاسياً على أهل بيته فالضرب أحيانا كثيرة كان وسيلة التفاهم التى كان يقول لها إنها دينية.
وكما ظنت سيدة أنها فهمت وعرفت الدين ظنت أيضاً أنها فهمت وعرفت فى السياسة فكثيراً ما كانت تسمع وترى رجال مهمين من الدولة يزورون زوجها الذى كان يتفق معهم على أشياء لا تعرف تفاصيلها ولكنها تعرف بالتأكيد أنها تخص مصر وغيرها من الدول.
وكانت سيدة أيضاً شاهدة على تلون زوجها وجماعته فهم قد أفهموها أن الكذب على أهل الضلال ليس سيئة بل حسنة.
وقامت الثورة وبدأ وجه الحياة يتغير وكانت سيدة من بين هؤلاء الذين يطلبون منهم الاحتشاد فى أيام معينة وأحداث بعينها وكانت تفعل.
وعاشت السيدة كما رسموا لها ولكن ظل شىء بداخلها يحدثها أن هناك شىء خطأ فى تلك الحياة وأنها تريد أن تعرف ما هو، فقررت فى ذلك اليوم الذى التقيتها أن تنزل متخفية بين صفوف الأعداء، أعداء الدين ومصر كما قالوا لها، لتعرف من هم ولماذا يعادوا الدين وتلك قصة أخرى وحديث طال بينى وبينها.. ولكن المهم النتيجة وهى أن سيدة اتفقت معى أن نلتقى يوم 30 يونيو يداً فى يد فلا أنا كافرة ولا هى إرهابية، هى بنقابها وأنا بوجهى وشعرى الكشوفين سيدتين من مصر.