محمد توفيق

تاخد كام.. وتشتغل تلميذ؟!

الثلاثاء، 18 يونيو 2013 03:00 م


صحيح، تاخد كام؟!
هل توافق أن تحصل على ألف جنيه شهريًا من أجل أن تذهب إلى المدرسة؟! أعتقد أن والدك الذى تجاوز الستين يمكن أن يصبح طالبًا إذا حصل على هذا المبلغ!
لكن المدهش أن هذا ما كان يحدث فى مصر أيام محمد على باشا- الله يرحمه- فقد رأى محمد على أنه تشويقًا لتلاميذ مدارسه ومكاتبه وبعثا لهم على الجد والنشاط- منحهم مرتبات شهرية تزداد كلما انتقل التلميذ من فرقة إلى أخرى أو من مرحلة من مراحل التعليم إلى التى تليها، حتى إذا انتهوا من التعليم وأقبلوا إلى الحياة العملية زادت مرتباتهم. فالواقع أن حياة التلميذ «المدرسية» وحياته «الوظيفية» بعد ذلك كانتا مرحلتين متصلتين أوثق الاتصال، تمهد الأولى منهما للثانية وتتمم الثانية الأولى.
لم يكن للمرتبات قبل تنظيم المدارس فى سنة 1836 - 1837 نظام ثابت، فالتلاميذ الذين ألحقوا بمدرسة الطب البشرى فى العام الأول من إنشائها كان كل منهم يمنح مائة قرش فى الشهر، وهو مرتب باهظ يعادل المرتب الذى أصبح يمنح لخريجى المدارس الخصوصية فى أواخر عصر محمد على، على أن الحكومة لم تلبث أن أدركت أن ليس فى وسعها الاستمرار فى دفع مثل هذه المرتبات الباهظة فأنقصتها كثيرا والتلاميذ المتخرجون فى مدرسة المهندسخانة الملحقون بمدرسة المدفعية أو غيرها من المدارس، والتلاميذ الحائزون لرتبة «الأنباشى» يزيد مرتبهم على مرتب زملائهم من تلاميذ فرقتهم خمسة قروش، والحائزون لرتبة «الباشجاويش» خمسة عشر قرشا.
فتلاميذ المبتديان يزاد مرتبهم قرشين كلما تقدموا من فرقة لأخرى، وتلاميذ التجهيزية خمسة قروش، أما تلامذة المدارس الخصوصية فيزاد مرتبهم عشرة قروش، حتى إذا انتهوا من الدراسة كان الواحد منهم يأخذ ثمانين قرشًا فى الشهر.
ولم تلبث الحكومة بعد سنوات أن شعرت بأن هذه المرتبات باهظة، وأن صرف مرتبات زائدة للتلاميذ مع قيام الحكومة بجميع مصاريفهم قد يؤدى إلى تشجيع التلاميذ على الميل إلى السفاهة، فيكون ذلك مانعًا من رقيهم وتقدمهم، والمدارس مفروض فيها أن تكون مكانًا لتثقيف الناس وتعليمهم، أما منح الرتب والعلاوات والمرتبات فلا يكون إلا بعد إتمام التحصيل.
لذلك بدأت مدرسة «السوارى» فأنقصت من مرتبات تلاميذها وضباطها بما يعود على الحكومة بنحو الخمسة والثلاثين جنيهًا فى كل شهر.
لكن عندما تم عرض هذا الأمر على «محمد على» رفض هذه الفكرة، بل أجاب- محتدًا- بأن هذه المدرسة تم إنشاؤها على مثال مدارس أوروبا فيجب أن تماثلها كذلك فى مرتبات التلاميذ، على أن تخصص ماهيات لتلامذة المكاتب مثل ذلك بأوروبا.
ولم يكتف محمد على باشا بما قاله، بل نهرهم وقال «أتريدون أن نكون أضحوكة بين دول العالم؟ وعلى ما سمعت أن ماهية التلميذ بأوروبا من ثلاثة قروش إلى خمسة، ويضاف إليها قرش أو قرشان وقت الامتحان لتشويقهم، ثم ألا ينبغى معاملة تلامذة المدارس الأخرى كثيرة العدد كما تريدون؟» ثم أشار بأن يمنحوا «نياشين» تشجيعًا لهم، وفعلاً تم تنفيذ أوامره، وصنعت النياشين، ونقش عليها رسم ورقة وقلم، وكان يستعاض أحيانًا عن العلاوات المالية للتلاميذ المتقدمين برتب عسكرية أو كتب كهدايا قيمة!
هذه الواقعة روى تفاصيلها المؤرخ الكبير الدكتور أحمد عزت عبدالكريم فى موسوعته الفذة «تاريخ التعليم فى مصر» لنعلم وندرك حجم المأساة التى صرنا نعيشها، ونعى كيف بدأ التعليم فى مصر؟ وإلى أين وصل؟!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة