وأقصد بهذه الدروس أن يستفيد منها غلاة الإخوان، وعشاق السلطة من شيوخهم، سواء العائدون من الخارج بعد أن لفظهم المجتمع، أو الخارجون من السجون والمعتقلات وهم جميعا خارج هذا العصر ومفضلون الحياة فى البادية أو فى غياهب التاريخ.
ونوجز الموضوع فى أن جماعة الإخوان نشأت فى وقت جرت فيه أحداث تبرر قيامها وتقبل الناس لها تبعا لما دعت إليه فى حينه وهذه الأحداث هى:
أولا: سقوط الدولة العثمانية والإسلامية فى تركيا وقيام دولة علمانية ولا دينية.
ثانيا: قيام ثورة 1919 ونماء الشعور الوطنى على حساب الشعور الدينى، والذى كان له الأولوية فى تلك الحقبة.
ثالثا: شخصية الإمام حسن البنا وقدرته على الإقناع والتنظيم وأن دعوته كانت فى المسائل المقبولة والمفيدة فى ذلك الحين.
رابع: اقتصاد مصر القوى بعد الحرب وارتفاع ثمن القطن أديا إلى النمو الثقافى والحضارى.
خامسا: تحايل الإنجليز للهيمنة على استقلال مصر والسودان، بعد ثورة 1919، مما أيقظ كافة القوى السياسية للدفاع عن مصالحهم الوطنية والدينية.
وفى هذه الظروف انتشرت الدعوة ولاقت قبولا لدى العديد من المصريين وحتى خارج مصر.
لكنها فى نهاية عصر المرشد الأول اصطدمت بالسلطات القائمة وقد عانى ما عانى أفرادها من العنت والاضطهاد والتشريد والسجن، سواء فى العصر الملكى أو بعد ثوره 1952 بداية من عهد عبد الناصر وبعده السادات وانتهاء بعصر مبارك.
ويرجع السبب فى ذلك لأن الجماعة سلكت طريقا آخر غير الذى رسمه مرشدها الأول وذلك بأن:
1- طرقت أبواب السلطة وهى غير مؤهلة له عصريا على الأقل وفكريا بكافة المعايير السائدة.
2- لم تسلك الطريق الديمقراطى فى تنظيمها أو سعيها للسلطة.
3- الاغتيالات السياسية كانت سبيلها المنفرد فى كل العصور دون باقى المؤسسات السياسية على اختلاف عقائدها.
4- تبادلت مع الشعب الشعور بالعداء بدلا من المودة والتلاحم التى أرادها المرشد الأول ونشرها فى ربوع مصر.
5- يكفى للقارئ ما نراه الآن من تجربتهم فى الحكم وسقوط مصر بهم إلى الهاوية حيث يعملون على الرجوع بها إلى مجاهل التاريخ فى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقضائية والتشريعية والإعلامية والفن والدين والمرأة والأقباط والأحزاب وأن يدهم ما زالت تعبث فيما هو مستقر منذ فجر التاريخ وما تفخر به مصر. ولم يتركوا لهم صديقا واحدا. وبددوا كل ما كان لهم من رصيد لدى الشعب المصرى.
على أن التاريخ يذكرنا بنهاية مثل هذه الأفكار والعقائد والمغامرات التى نراها بأعيننا ونسمعها بآذاننا، ومن أمثلة ذلك:
1- ظهور الفكر الشيوعى فى أكثر من دولة وانتهى غلاة المتطرفين فيه بعد فشلهم فى أقل من قرن من تحقيق أوهامهم الافتراضية.
2- كان مشروع قناة السويس ومستعمرة روديسيا وجنوب أفريقيا مشاريع أوروبية للاستيلاء على خيرات الشرق وانتهت إلى العوده إلى أصحابها الشرعيين مصر والأفارقة.
3- فكرة إقامة دولة لليهود فى فلسطين ما زال يلفظها العالم العربى والإسلامى والحر، ووجودها مهدد وزوالها قريب إن شاء الله. كما نذكر مصير مشروع هتلر العنصرى فى ألمانيا ومشروع الفاطميين المذهبى فى مصر.
وكل هذه المشروعات كانت تتخفى وراء تبريرات زائفة.
وعلى ضوء هذه التجارب التاريخية تستطيع جماعة الإخوان أن تختار وتحدد مستقبلها ومستقبل أبنائها على نحو يجنبها مثل هذا المصير،
فلقد كانت تجربتهم خلال ستة عقود وحصادهم كان الشتات أو السجون أو المعتقلات وذلك لغلو المعتقدات ونبذ المجتمعات وشدة الإعجاب بالذات... واختيارهم يكون بين أمرين:
1- الرجوع إلى الدعوة على نهج المرشد الأول ومشاركة المجتمع والاعتدال وعدم الغلو فى التطبيق والاعتراف بما هو حسن من الثروة الثقافية العالمية والأخذ منها والعطاء لها والقبول بـ (عموم البلوى) كما يقول الأصوليون مع الحفاظ على كليات القيم الإسلامية وترك الانزلاق بلا خبرة فى مستنقع السياسة.
على أن الجمع بينهما يفضى إلى الإفلاس المحقق فى كلا الحقلين،
2- وإما المضى إلى المصير المحتوم والفشل الذريع فى كلا الحقلين والذى لا نرضاه لهم، ولا نتمناه، حيث إنهم جزء من النسيج الوطنى والعربى والإسلامى... وليعلموا أن الإسلام باق بهم أو بدونهم.
صورة أرشيفية