تعرضت مؤسسة الرئاسة المصرية منذ تولى الدكتور محمد مرسى رئاسة الجمهورية فى أواخر يونيو 2012 – لكثير من الأزمات المتلاحقة بدأت بإلغاء المحكمة الدستورية العليا قرار رئيس الجمهورية بإعادة انعقاد مجلس الشعب المنحل بقرار سابق من نفس المحكمة بعد أن صدق المجلس العسكرى على قرار الحل حين كان يحكم البلاد قبل انتخاب الرئيس، ومرورا بأزمة استشهاد جنودنا فى رفح وما تبع ذلك من اضطرابات فى سيناء ثم عزل المشير طنطاوى والفريق عنان، وما تلا ذلك من دعاوى الأخونة والأسلمة، حتى تفجر الوضع تماما بعد الإعلان الدستورى فى 22 نوفمبر 2012، ثم أزمة القضاة الأولى ثم أزمة اللجنة التأسيسية لوضع الدستور ثم أزمة الاستفتاء على الدستور، ثم أزمة تجر فى ذيلها أخرى كأنه خيط مكرور من الأزمات تشبّك وتعقّد.
وأمام كل هذه الأزمات وقفت مؤسسة الرئاسة تارة حائرة مرتبكة، وتارة متماسكة مواجهة، وتارة متشنجة مصادمة، وتارة أخيرة مثيرة للإعجاب ومستوجبة للثناء، وعلى الرغم من أن الرئاسة نالها الكثير من النقد أحيانا والكثير من الطعن دائما من المعارضين لسياساتها، حتى التيار المؤيد للرئيس لم تسلم الرئاسة من نقده اللاذع وأحيانا اتهاماته، وبدا الفريقان المؤيد والمعارض متفقين لأول مرة على نقد المؤسسة الرئاسية وأنها تضم من الأشخاص من هو غير مؤهل لتبوؤ مثل هذه المسؤولية.
ومنذ فترة وجيزة بدأ المراقبون لأوضاع المؤسسة الرئاسية يرصدون موجة من الاحترافية تزور الشاطئ الرئاسى، ويشعرون بتغير كبير ونوعى فى الأداء الرئاسى على كثير من الأصعدة، جعل مؤسسة الرئاسة تنتقل من الصدام إلى المصالحة.. نرصد بعضها فيما يلى:
مؤسسة الرئاسة والأزمة الاقتصادية:
لا ينكر أحد أن الوضع الاقتصادى المصرى المتردى ليس لمؤسسة الرئاسة ذنب فيه لكنها ورثته من نظام سابق يعلم الجميع وصفه وفعله لكنها مطالبة بحكم توليها المسؤولية بحلول عاجلة وناجعة للحيلولة دون الانهيار الاقتصادى، وكانت من أشد الأزمات الاقتصادية التى واجهت الرئاسة هى تراجع قيمة الجنيه المصرى أمام الدولار الأمريكى حيث وصل سعر صرف الدولار فى السوق السوداء إلى حوالى 9 جنيهات، وتبع ذلك غلاء فى الأسعار وانكماش فى حجم الواردات، ومع السياسة الصارمة التى اتخذها محافظ البنك المركزى الجديد هشام رامز، وجهود الرئاسة فى جلب الودائع الدولارية للبنك المركزى حيث وصلت وديعة ليبية تقدر بـ2 مليار دولار فى أواخر مارس الماضى، وأكد السفير عمر عامر المتحدث الرسمى لرئاسة الجمهورية أواخر إبريل الماضى أن هناك وديعة قطرية فى طريقها للبنك المركزى تقدر بـ3 مليارات دولار، كل ذلك أدى إلى احتواء الأزمة الدولارية، وبدأ سعر الصرف فى الاستقرار.
أزمة أخرى استطاعت مؤسسة الرئاسة احتواءها بنجاح هى أزمة السولار، فعن طريق الدعم الكامل الذى توليه الرئاسة للوزراء النشطين أمثال باسم عودة وزير التموين استطاع أن يحجم أزمة السولار وقبلها أزمة البوتاجاز وحاليا أوشكت أزمة رغيف الخبز على الاختفاء، هناك أزمات تحل فعلا، وأزمات أخرى تنتظر، فى طريقها للحل.
مؤسسة الرئاسة ورجال الأعمال:
ارتباطا بالأزمة الاقتصادية تطل علينا أزمة رجال الأعمال وهروب المستثمرين من السوق المصرية، فمن المعروف أن بعد أى ثورة يحجم رجال الأعمال عن الاستثمار انتظارا لما ستؤول إليه الأوضاع السياسية فالاستقرار السياسى هو المنشط الأكبر الذى تبحث عنه رؤوس الأموال، لكن وضع رجال الأعمال المصريين متشابك بعض الشىء ففى ظل النطام السابق وحرصه الدائم على تزاوج السلطة بالمال لم يسلم كثير من رجال الأعمال الشرفاء من التورط مع النظام السابق فى صفقات كانت من وجهة نظرهم ضرورية لتيسير أعمالهم.
ومع المد الثورى فى بداية ثورة يناير صنف معظم رجال الأعمال المصريين على أنهم من الفلول، خاصة بعد كشف كمية السلب التى كانت ممنهجة لأراضى الدولة، ثم الكشف عن القضايا الضريبية لكبار رجال الأعمال المصريين.
استطاعت مؤسسة الرئاسة أن تبعث برسالة طمأنة ومصالحة إلى كل شريف من رجال الأعمال تورط رغما عنه مع النظام السابق فلديه الفرصة الآن فى التصالح ورد «بعض» الأموال المستحقة عليه للدولة، مع تقديره واحترامه وطى صفحة الماضى، وليس بعيدا عنا ما حدث مع رجل الأعمال نجيب ساويرس فبعد أن تصالحت شركاته مع الضرائب تم رفع اسمه هو وعائلته فورا من قوائم المنع من السفر وترقب الوصول بل أرسلت الرئاسة مندوبا عنها ليستقبله هو وعائلته حين وصولهم مطار القاهرة فى رسالة لكل رجل أعمال مصرى: أنت مرحب بك فى بلدك إذا أديت ما عليك لها، لا مجال للانتقام ولا مجال لتصفية الحسابات.
مؤسسة الرئاسة والإعلام:
لم يتعرض رئيس مصرى فى تاريخ مصر الحديثة لإهانات وسخرية ونقد لاذع يتعدى فى كثير من الأحيان حدود الأدب واللياقة مثل ما تعرض له الرئيس محمد مرسى، ولم يستطع الإعلام أن ينال من شخص رئيس مصرى كما فعل مع أول رئيس منتخب فى تاريخ مصر.
ومع هذه الموجات الشرسة من التجريح لم تجد كتيبة المؤيدين للرئيس بدا من مواجهة مبالغات المعارضين بمبالغات أشد، وضاعت الحيادية والمهنية والموضوعية بين مبالغات الطرفين، فصارت كالضوء الخافت فى بحر من الظلمات.
أما مؤسسة الرئاسة فقد هالها فى البداية كمية الشتم والتجريح وتحت ضغوط غضب المؤيدين شرعت فى تقديم البلاغات فى محاولة منها للحد من أمواج النقد اللاذع وغير اللائق، لكن سرعان ما تفهمت الوضع واستطاعت أن تستوعب أن مواجهة الإعلام المضاد لا تكون بالبلاغات والملاحقات الأمنية بل بسعة الصدر والصبر على الأذى والعمل الدؤوب ومحاولة تغيير الصورة الذهنية التى تريد تلك الحملات ترسيخها، وقد قامت الرئاسة مؤخرا بسحب جميع البلاغات التى قدمتها ضد الإعلاميين فى رسالة واضحة للتصالح، والمهادنة، فالشعب المصرى يستحق منا جميعا أن نصبر على بعضنا وأن نتعاون وإن كنا مختلفين فى سبيل تحقيق حلمه فى الرفاهية والعدالة الاجتماعية.
ومع هذا كله حرصت الرئاسة على إبعاد بعض الوجوه صاحبة التصريحات المستفزة، التى طالما ورطت المؤسسة بتلك التصريحات فى معارك إعلامية لا ناقة للرئاسة فيها ولا جمل، وقامت بتكوين فريق رئاسى إعلامى محترف.
مؤسسة الرئاسة والجيش:
لا يحظى جيش فى المنطقة بحب واحترام ودعم كما يحظى الجيش المصرى من الشعب المصرى وما حدث فى العامين اللذين تولى فيهما المجلس العسكرى الحكم لم يغير من حب واحترام الشعب المصرى لجيشه.
مؤسسة الرئاسة كانت حريصة من البداية على إظهار بل المبالغة فى إظهار هذا الحب والاحترام، حتى مع القادة الذين أقالتهم الرئاسة حرصت أن تمنحهم أرفع الأوسمة فلم يكن الرئيس يقلد المشير وحده الوسام بل كان يقلده للجيش فى شخص المشير وعنان، وحرصت الرئاسة على إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة وتفرغها لمهمتها الأساسية، ولا يتم استدعاء الجيش إلا فى المشاريع الخدمية التى تضعه دائما فى عين واحترام الشعب عامة.
مؤسسة الرئاسة والأزهر:
نجحت مؤسسة الرئاسة فى تحقيق استقلال حقيقى للأزهر الشريف، فلم يكن استقلال الأزهر مجرد مادة فى الدستور بل بدا كأنه عقيدة راسخة عند الرئاسة، فلم تحاول يوما التدخل فى الشأن الأزهرى، حتى فى أحلك اللحظات حينما أصيب بعض الطلاب بالتسمم فى المدينة الجامعية تركت الأمر لشيخ الأزهر كاملا؛ لمحاسبة المخطئين ولم تمارس أى وصاية أو توجيه، كل هذا مع الانتباه لعدم الإنصات لمحاولات الوقيعة الدائمة بين الرئاسة والأزهر، وعدم الالتفات لمحاولات المبالغة فى التكريم والحفاوة بشيخ الأزهر مقارنة بالرئيس كما حدث مؤخرا فى الإمارات أو قداس عيد القيامة.
مؤسسة الرئاسة والقضاء:
المراقب للأمور يستطيع أن يقارن بين أداء الرئاسة فى أزمة الإعلان الدستورى فى نوفمبر 2012 وبين أزمة قانون السلطة القضائية حاليا، الأداء مختلف، ومحترف، فبين صدام شديد ولهجة خشنة، وتصالح سديد وتفهم واع، يظهر الفرق فى التعامل بين الأزمتين، بدت الرئاسة فى الأزمة الأولى متصلبة ومتشنجة، تصادم الجميع، وتتحدى الجميع، وعلى الرغم من أن الكثيرين سعدوا بنتائج الإعلان الدستورى لكنهم كانوا يتمنون أن لو كان الأمر تم علاجه بهدوء وحرفية أكثر من ذلك، وهذا ما تحقق فى أزمة قانون السلطة القضائية، فعلى الرغم من احتقان الشارع المصرى من القوانين القاصرة التى تؤدى دائما إلى براءة من تسبب فى ظلم وتجهيل وتجريف شعب ودولة، مع صدور أحكام قضائية تخالف الدستور، ومع غض الطرف من قبل مجلس القضاء الأعلى عن قضاة فاسدين، وعلى الرغم من تحرك التيار الإسلامى بمليونية غاضبة، فإن أداء الرئاسة كان أعقل وأحكم واستطاع الرئيس أن يحتوى غضبة القضاة وأن يطفئ نارا كادت أن تتطاير شراراتها فى الجنبات، واستطاع أن يهدئ الجانبين فلا هو مال ناحية مؤيديه وأجبر القضاة على قانون لا يرضونه ولا هو طالب مؤيديه بإلغاء فكرة القانون بل طالب الجميع بالحوار من أجل التوافق على القانون ووعد مجلس القضاء الأعلى أنه سوف يرسل بنفسه القانون الذى سيتوافقون عليه إلى مجلس الشورى.
ومع كل هذا أصدر الرئيس قرارا جمهوريا بتشكيل هيئة استشارية قانونية مهمتها الإشارة القانونية والدستورية على الرئيس ومراجعة مدى دستورية القوانين المحالة إليه من المجالس التشريعية لتجنب إصداره قانونا غير دستورى مرة أخرى.
على خطا عبدالناصر
فى زيارة الرئيس مرسى إلى مجمع الحديد والصلب بحلوان فى احتفالات عيد العمال وقف يخاطب العمال، وفاجأ الجميع، أنصاره قبل معارضيه حينما أثنى على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذى بنى هذا الصرح هو وأبو الصناعة المصرية رئيس وزراء مصر الراحل عزيز صدقى، ووعد العمال أنه سيواصل ما بدأه عبدالناصر فى طريق إنشاء صناعة مصرية.. أراد الرئيس بهذا الذكر أن يبعث رسالة للجميع مفادها أنه لن يكون أسيرا لتاريخ مضى وأنه لن يهدر جهد أحد لمجرد أنه مختلف معه فى الفكر، الرئيس الإسلامى على خطا عبدالناصر إذا كان الأمر مرتبطا بنهضة مصر الصناعية.. انتقال آخر من الصدام إلى المصالحة.
وهكذا نلمح ذلك التغير الدؤوب فى أداء المؤسسة الرئاسية، نحو التصالح وتجنب الصدام، لكننا لم نر بعد من يجيب من المعارضة على الأيادى الممدودة إليهم، ندرك تماما أن الخلافات لن تنتهى بين عشية وضحاها، ولكن هل يمنع الاختلاف من التعاون، والتصالح؟ هل تملك المعارضة الشجاعة على المدح إن رأت ما يستوجبه، كما تملك الشجاعة على الذم مع ما يستوجب وما لا يستأهل؟ أنا لا أطلب من معارضى الرئيس أن يتحولوا فجأة لمؤيدين، بل أطلب منهم أن يحبوا مصر أكثر مما يكرهون «مرسى» وجماعته.
مؤسسة الرئاسة.. من الصدام إلى المصالحة.. كيف تتغير مؤسسة الحكم فى مصر.. موجة احترافية تزور الشاطئ الرئاسى
الخميس، 09 مايو 2013 04:02 م
د. محمد مرسى