د. فيروز عمر

ضد الألم.. سوريا تبتسم

الأربعاء، 08 مايو 2013 10:19 م


لا تحظى فكرة تقديم الدعم النفسى للمنكوبين فى الكوارث بقدر كبير من الاهتمام، وذلك بسبب انشغال أصحاب الجهود الإغاثية بتوفير الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب ومأوى ورعاية صحية. وهذه الاحتياجات ـ رغم أهميتها الشديدة ـ إلا أن تأثيرها قاصر إن لم يصاحبها الدعم النفسى والتربوى.

ذلك لأنك إذا أطعمت مجموعة من المنكوبين وسقيتهم وآويتهم، وكانت هذه المجموعة مشحونة باليأس والغضب والحسرة وخيبة الأمل، فإنك تحتاج أضعاف الوقت والجهد والمال لتصنع منهم بشرا أسوياء منتجين فعالين، أما إذا قدمت لهم دعما نفسيا وتربويا ـ على التوازى مع الطعام والشراب ـ فإنك تجعل منهم ـ هم أنفسهم ـ جزءا من الحل، يتمتعون بأقل درجات الاعتمادية وأعلى درجات الإيجابية والصلابة النفسية.

وهذا هو ما حاولنا تقديمه من خلال فريق للدعم النفسى بقافلة "الحياة" لمخيمات اللاجئين السوريين التى سافرت لسوريا فى الفترة من 25 إبريل إلى 29 إبريل واستهدف الفريق أهدافا أساسية منها:
أولا: تخفيف الآلام عن المنكوبين ثم تغيير إدراكهم للكارثة، وذلك عبر الآليات المختلفة للتفريغ النفسى وتعديل الأفكار، مثل جلسات الدعم النفسى الجمعى، والاستشارات الفردية، والأنشطة التفاعلية. وتعتبر هذه هى أول خطوة نحو التكيف الصحى مع الكارثة، حيث إنها لا تخفف فقط من أوجاع اللاجئين بل إنها تغير "منظومة إدراكهم" للكارثة مما يجعلهم أكثر قدرة على مواجهة الكارثة بدرجة عالية من الصلابة النفسية وروح التحدى. وإذا لم يجد المنكوبون الفرصة لهذا التفريغ فإنهم لا يستطيعون التقدم نحو التكيف الإيجابى، بل ينحرفون فى اتجاه مآلات غير صحية مثل العنف والانسحاب والاكتئاب وكرب ما بعد الصدمة.

ثانيا: تدريب الأطفال والمراهقين على بعض المهارات مثل التعاون والتفكير التفاؤلى والإبداع فى حل المشكلات اليومية ومواجهة الظروف، وذلك من خلال مجموعة من الأنشطة الحركية والرسم والسيكودراما والألعاب. هذا بالإضافة إلى استخدام تلك الوسائل ـ ليس فقط فى إكسابهم تلك المهارات ـ ولكن أيضا لمساعدتهم على التفريغ النفسى والتخلص مما يسمى "الذاكرة الصدمية" التى تكونت فى عقولهم من أثر مشاهد القصف والصواريخ والطائرات وفقد الأحباب والأمان والمأوى.

ثالثا: تكوين وتدريب فريق من المتطوعين ـ من سكان المخيم أنفسهم ـ ليكونوا فريقا للدعم النفسى الدائم، وذلك بعد عودة فريقنا إلى مصر وهكذا يكون سكان المخيم هم أنفسهم جزءا من حل مشكلاتهم التربوية والنفسية بشكل ذاتى فعال.
و بالفعل نجح فريقنا ـ بفضل الله تعالى ـ من خلال العمل المستمر من العاشرة صباحا إلى العاشرة مساء على مدار أسبوع ـ فى تدريب حوالى 700 طفل على تلك الأفكار والمهارات. كما قدمنا عددا كبيرا من الاستشارات الفردية وجلسات الدعم النفسى الجمعى للسيدات والفتيات داخل الخيام. وعلى التوازى عقدنا جلسات تدريبية يومية لعشرين من المتطوعات لتدريبهن على مهارات الدعم النفسى والتربوى، ليستكملوا هذا الدور من بعدما بدأه فريقنا. وكان الجزء الأهم من تدريبهم هو حضورهم ومشاركتهم معنا فى أنشطة الأطفال وجلسات الدعم النفسى.

وكان أجمل مشهد هو المشهد الأخير فى الرحلة حيث قمنا بعمل انتخابات بين المتطوعات العشرين لاختيار ما يشبه مجلس إدارة صغير لإدارة المجموعة، ثم اختيار مسئولة عن هذا المجلس، وهكذا تمت انتخابات ديمقراطية ـ قريبا من قصف الطائرات والصواريخ ـ تحت سقف الخيمة وعلى أضواء مصباح الكيروسين!

تركنا المخيم وقد وضعنا به بذرة للدعم النفسى والتربوى.. ولا تزال تلك البذرة تحتاج للرعاية.. ولا تزال التجربة تحتاج للتعميم.. ولا يزال المنكوبون يحتاجون لأشياء كثيرة مع الطعام والشراب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة