لا شك أن كل إنسان طبيعى يهتز من داخله عندما يرى تصرف الكبار فى بيئة يهيمن على مقدراتها الصغار. ويتزلزل هذا الإنسان عندما يتفاجأ بصــــوت التصفيق الحـــاد المستمر
يحتضن أذنيه وهو يعبر عن مشاعر الإكبار لتصرف الكبار، احتضان الحــنين لأمــر كنت تظنه قد اندثر وهلك. نفس المشاعر والأحاسيس تنتابك رغماً عنك عـنـدما تــرى الصـغار يتصرفون أو يتكلمون بتصرف أو كلام الكبار فى بيئة يهيمن عليها الكبار الصغار. هــذا المشهد قد يتكرر فى حياة المرء مرات عديدة، وقد ينتبه له وقد لا ينتبه له. أما أنا فهــذه المشاهد لا تهزنى، ولا تزلزلنى، وإنما تبكينى. وآخر المشاهد العالقة فى ذهنى هو ذلك
المشهد الذى رأيته فى كاتدرائية العباسية. فبعد سلسلة الفتاوى التى أطلقها من لا اعتبار علمى لآرائهم بشأن مدى شرعية تهنئة النصارى، نسبة إلى نصرة المســــيح عيسى ابن مريم، أو المسيحيين، نسبة إلى الديانة المسيحية، بمناسبة عيدهم، والتى سيسوها عن قصد وسوء نية، والدليل مواقفهم هم فى السابق، فضلا عن مدى التهافت فى الاستنــاد إلى الأدلة المعتبرة شرعاً من الكتاب والسنة. بعد هذه الفتاوى جاء تصرف الكبار ليحسـم
لغط الصغار ويضع حداً لتجاوزاتهم فى حق الدين الإسلامى العظيم، جاء تصــرف شـــــيخ الأزهر عندما ذهب إلى العباسية مهنئاً إخوة الوطن بعيدهم، حتى يدرأ الشبــهات التى زرعهــا
غيره فى النفوس. فلا التهنئة ستغير دين ولا عدمها سيبقى عليه، ولا التهنئة ستــفســد عقيدة ولا عدمها سيصلحها، وإنما هو التنطع فى الدين لأسباب سياسية وكأن الدين محل للمزايدات السياسية، وقد جاء هذا التصرف من جانب شيخ الأزهر فى ظل حملة مسعورة تستهدف إزاحته من موقعه وإحلال غيره محله، وصلت هذه الحملة إلى حد التآمر عليــه بعدما أثبتت النيابة العامة فى تحقيقاتها أن أمر تسمم طلاب جامعة الأزهر ما هو إلا فيــلما
فاسدا لمخرج فاشل اكتشف الجمهور تهافته وعافته النفوس السوية. ولذا، وفى يوم عيد النصارى، بالاعتبار السابق، عندما ذكر البابا اسم الشيخ أحمد الطيب ضجت القاعـــــة بالتصفيق الحاد والمتصل لأسباب منها: أن هذا الرجل تصرف تصرف الكبار، وأنه يمثــل الدين الإسلامى بسماحته البعيدة عن التنطع أو المزايدة السياسية، وأنه يمثل مؤسســــة تتعرض للتصفية. ثم جاء ذكر الفريق أول عبد الفتاح السيسى الذى انحـاز بصدق إلــــي الشعب المصرى، فتعرض للإهانة، مع أن تصرفه كان يمثل تصرف الكبار الذى أبــكـــى البعض، ولكن فى زمن هيمن فيه الصغار، فنال قسطاً من التصفيق لا يقل عن سابقه وذلك استشعاراً من المصفقين أن الجيش من المؤسسات التى تتعرض لمناوشات الهدم والتفكيك، وفى ذات السياق جاء التصفيق للمستشار أحمد الزند.. تلك نماذج ثلاث لما ذكرت. ولا تقل
إن من صفق قد صفق لاختلاف العقيدة، أو لأنهم ضد المشروع الإسلامى، لأن من صفق لهم مسلمون شئت أم أبيت. ولأن الشيخ الطيب يمثل مؤسسة إسلامية عالمية. ولأنك قد أسأت لمشروعك الإسلامى بإساءة عرضه منهجاً وسلوكاً، ونسيت فى تعاملك مع الغــير أنه لا يلزمه من إسلامك سوى أمر واحد هو حسن المعاملة لأن الدين المعاملة.
شيخ الأزهر