"غادة عطا تكتب: الثورة ما بين حلم التغيير وظلال المؤامرة" 7

الإثنين، 06 مايو 2013 09:05 م
"غادة عطا تكتب: الثورة ما بين حلم التغيير وظلال المؤامرة" 7 صورة أرشيفية

مع تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شئون البلاد، أعلن قادة الجيش أن تلك الفترة الانتقالية ستكون 6 أشهر يتم خلالها الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية حيث يكون مجلس الشعب هو المسئول أى اصلاحات دستورية لاحقة بعد استقرار حكم البلاد وهو ما لم يرق للقوى المدنية التى كانت تخشى من عدم جاهزيتها للانتخابات المقررة وخاصة مع مخاوفها من استئثار القوى الإسلامية بالسلطة وخاصة مع تواجدهم الفعلى واحتكاكهم بالجماهير وتقديمهم للخدمات التى توطد علاقة الناخبين بهم .

كان أى حديث للعقلاء عن ضرورة إجراء الانتخابات وضرورة ترك الجيش للسلطة بحد أقصى الستة أشهر التى قررها الجيش تنتهى بتولى رئيس للجمهورية ووجود مجلس تشريعى يقابل باتهامات بالانتماء للتيارات الاسلامية التى تريد القفز على السلطة وخرجت المظاهرات الاحتجاجية التى تطالب باستمرار الجيش فى السلطة لحين استقرار الأوضاع وجاهزية القوى المدنية.
المبرر الأقوى الذى تم الدفع به لتأجيل الانتخابات واستمرار الجيش فى تولى شئون البلاد هو ضرورة عمل دستور جديد يتناسب مع تطلعات المصريين بعد ثورة حرية وبدأ الشحن الشعبى لكافة طوائف المجتمع وإقناع الجميع أن الدستور 71 هو دستور انتهت صلاحيته ولم يعد يناسب المرحلة الجديدة كما أنه مهلهل ومضاد للحريات بالإضافة لسقوطه مع سقوط النظام فهو قد مات ولا يمكن إيقاظه.

كانت بداية انقسام الشارع المصرى بعد الثورة هى معركة الدستور فقد رأت القوى المدنية أن هذه الفترة هى الفرصة المواتية لتغيير هوية الدولة المصرية فى الدستور من دولة إسلامية إلى دولة مدنية بالمعنى الكامل لتلك الكلمة وبدأت بعض القوى الترويج لفكرة الدولة المدنية كبديل للدولة الدينية والعسكرية وخاصة مع تشويش المصطلح. وفى المقابل بدأت القوى الإسلامية تحشد المجتمع فى عكس هذا الاتجاه وجعلت الحفاظ على الهوية الاسلامية للدولة هى واجهتها لقبول أفراد المجتمع المتدين بطبعه لها كممثل للشعب فى الانتخابات التشريعية واستفتاء الدستور.

لم يكن لدى التيارات المدنية سواء الليبرالية منها أو الاشتراكية أو غيرها أية رؤية حقيقية للمستقبل سوى أن تكون مصر دولة مدنية يسيطرون على مقاليد الأمور فيها ولم تكن لدى التيارات الاسلامية أية رؤية سوى أن تكون مصر دولة اسلامية يسيطرون على الحكم فيها.

احتدمت المعركة بين الطرفين على السلطة والدستور والشارع السياسى ولم يكن للاقتصاد والقضايا الملحة على المواطن مساحة من هذا الصراع السلطوى والثقافى الحديث القديم الذى لم يدفع ثمنه سوى مصر وشبابها الذى يبحث عن الانتماء لمصر كبيرة وشامخة. كشف الانقسام الحادث فى الشارع عن كم الهوة بين التيارات المدنية والتيارات الإسلامية وعن وجود معارك ثقافية وأزمة ثقة بين تلك التيارات جميعها إلا أن ما وحدها وقت الثورة كانت تقييد حريتها ومعاناتها فى ظل النظام السابق وما أن سقط النظام حتى عاد الصراع وظهرت الأزمة وانكشف كم الخلاف من جديد دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإجراء استفتاء شعبى على عدة تعديلات على دستور 71 على المواد الفجة التى تعرقل انتقال السلطة لحين إجراء الانتخابات لأن الجيش يصر على تسليم السلطة لرئيس منتخب خلال ستة أشهر. استخدمت القوى الثورية سلاح المليونيات للضغط لبقاء المجلس العسكرى وللبدء فى كتابة دستور جديد قبيل الانتخابات وهو ما خوف الجيش من إطالة المدة والانغماس فى الشئون الداخلية كما رفضه التيارات الاسلامية لرغبتها فى انتهاز الفرصة .

للأسف لم تكن هناك معركة شريفة بين الأفكار والرؤى بتقديم الرأى والرأى الآخر ويترك للشعب الاختيار بل حاول كل فريق أن يشوه خصومه فضلا عن اخفاء حقيقة نياته فالتيارات المدنية لم تكن تجرؤ عن الحديث عن دولة علمانية لذلك اختاروا المدنية كمصطلح يمكن تأويله بوجهين والتيارات الاسلامية لم تجد فرصة أفضل لاقتناص الرضا الشعبى والتأييد الجماهيرى قبيل الانتخابات. وبالفعل حشد كلا الفريقين وانتهت الموقعة بنتيجة رآها أصحاب التوجه المدنى ضياع للثورة وتغيير مسارها لأن الدستور بالنسبة لهم كان مسألة حياة أو موت، ورآها الإسلاميون انتصارا ومؤشرا لفوزهم بالمعركة الانتخابية.

أصبح الشعب بين مطرقة الإسلاميين وسندان أنصار الدولة المدنية ولم ينته الأمر بنتيجة الاستفتاء فقد استمر فريق ثورى عريض يطالب بإلغاء تلك النتيجة والعودة لمسار الدستور أولا وكأن كافة قضايانا حياتنا قد توقفت على الدستور فى هذه اللحظة.

أنا لا أستطيع إنكار أننى كنت أتمنى أفضل دستور لبلدى لكننى فى الوقت ذاته كنت أخشى استمرار الجيش فى السلطة لأمد أطول ووقوعنا فى براثن سيناريو 52 عندما خرجت المظاهرات تطالب ببقاء مجلس قيادة الثورة الذى أراد العودة لثكناته وتسليم الجيش لرئيس منتخب. كما أننى كمواطنة أتصور أن مشاكلنا لم تكن فى الدساتير وإنما فى التطبيق على أرض الواقع ولو أننا أبقينا على دستور 71 كدستور مؤقت لمدة معينة ولتكن خمس أو عشر سنوات لحين وضوح شكل الدولة السياسى والتوجه الاقتصادى للحفاظ على النسيج الاجتماعى للشعب وهوية الدولة المصرية الإسلامية بحيث يتم تعديل مواد الحكم التى عانى منها الشعب وخرج بسببها الثوار لتجنبنا الكثير من الانقسامات والخراب والدماء ولانطلقنا بخطوات أكثر سرعة فى اتجاه التنمية.

استمرت معركة الدستور والقصاص منذ اليوم الأول لحكم المجلس العسكرى وحتى نهاية المرحلة الانتقالية وانتقلت من مكان لآخر تأذت بسببها العلاقة المتينة بين الشعب وجيشه حيث كانت بعض القوى التى تريد إضعاف الجيش وهيبته ومحبته فى نفوس الشعب للتمهيد لأوضاع جديدة للدولة المصرية تنفخ فى النار وتستفيد من المواقف فلا تكد النار تهدأ إلا وتشتعل من جديد فى بقعة أخرى من أرض الوطن.

وأصبحت المليونيات يوم الجمعة روتين أسبوعى تبدأ بلافتات مرفوعة تطالب بالقصاص والدستور أولا وتنتهى بقتلى وجرحى وتخريب وكانت وتيرة التغيرات فى المواقف بين القوى السياسية نفسها متسارعة فضلا عن المواقف الصدامية من مختلف القوى مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبرغم أن المليونيات كانت فى بداية الثورة وسيلة ضغط وتعبير عن الرأى إلا أنه بتكرارها واستخدام كل فصيل سياسى للحشد الجماهيرى لخدمة توجهاته وأهدافه فضلا عن المظاهرات والاحتجاجات الفئوية تم تفريغ المظاهرات من محتواها الحقيقى وقوتها فى التأثير وصناعة القرار بل أصبحت مصدرا لاستثارة المواطنين الذين ضيقت عليهم فى معاشهم وحرمتهم دخولهم وجعلتهم غير آمنين على أنفسهم أثناء انطلاق التظاهرات.
وللحديث بقية إن شاء الله.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة