كيف يمكن أن تنهض أمة تبنى ثقافتها على القيل والقال والشائعات؟ وتتغذى على الكراهية وتمشى بالمبدأ الأمريكى الشهير الذى صاغه بوش الابن إما أن تكون معى أو ضدى فصارت جماعات الوطن محاور شر لبعضها البعض؟!!
إن كثيرا منا لم ينتبه إلى أن الكيان الصهيونى قد ضرب وقتل ما يقرب من 300 سورى شقيق لنا، وهى خطوة غير مسبوقة مرت علينا مرور الكرام، وكأن انشغالنا بتداعيات ربيعنا العربى الممتنع قد جعلنا نغرق داخل ذواتنا، حتى لم نعد نمتلك القدرة على رؤية الأشقاء بشكل طبيعى، فصرنا نراهم ضمن اللعبة الفارغة التى نلهو بها فتلك الدولة من أتباع النظام السابق، وهذه الدولة ضد الثورة المصرية!! وكأن مشاعر المرض تملكتنا فصرنا نرى كل شىء بعين المرض لا عين السوية!
إننا حتى لم نبلغ مرحلة المراهقة وبقينا فى مرحلة الطفولة نحب أن نمتلك، وإذا امتلك غيرنا شيئا بكينا وضربنا بالأرجل على الأرض حتى نسلبه ما استحقه وعندما احتكمنا لصندوق انتخابى لم نكن نمرح بشكل مؤكد، وإنما كنا نبنى خيارا جديدا لم نألفه فى عصر مبارك، وعندما وقف المصريون بالساعات فى الطوابير لم تكن تلك تمثلية لمشهد ديمقراطى وعندما تأتى الآن وتطالب باتنخابات مبكرة وسحب الثقة من الرئيس المنتخب فأنت على الأرجح تعتقد أنك تعيش وحدك فى هذا الوطن، وأن مرجعيتك فى الحكم على الأمور هى مرجعية هزلية، تعتقد فى ثقافة الفوضى واحتكار الرغبة فى إدارة الوطن دون أن تحترم رأى غيرك، ممن يعيش بجانبك، ويتنفس نفس الهواء الذى تستنشقه ويشرب مثلك من نفس الماء الذى تشربه!.
إن القاعدة تقول إذا صار الخلاف بيننا فى البديهيات فلتعلم يقينا أن الدم سيصير لغة بيننا لأننا سنقف على أرض واحدة ولن تسعنا معا! عندما نتجادل حول الشمس وأشعتها فأحدنا إما أن يكون مجنونا لا يعى ما يصنع أو جاهلا سيغرق الآخر بجهله وعندما تستبدل الصندوق الانتخابى والصوت الحر وتستبدلها بورقة تمشى فى الطرقات لسحب الثقة من رئيس منتخب فأنت حتما تريد تغيير قواعد اللعبة، وبدلا من أن تمشى فى الشوارع وتقيم المؤتمرات وتصل للناس عبر برنامج واضح تجعلهم يعطونك الأغلبية البرلمانية التى تستطيع من خلالها أن تغير كيفما تشاء، وتستطيع سحب الثقة من الرئيس عبر قنوات شرعية إلا أنك تقرر أن تسير فى عكس الطريق!.
أنت تريد أن تصنع ضوضاء فقط لا غير ولو فكرت بروية ستعلم أن أى رئيس منتخب سيحتاجك بجانبه، لأن الوضع الراهن سيحتاج للتكاتف منا جميعا، فليس ابن تيار الإسلام السياسى بمستغنى عن ابن التيارات الاشتراكية والليبرالية فى أى عملية بناء، وكلهم ثاروا يوم تخلى الرئيس السابق عن حكم مصر مضطرا وجماعات الاسلام السياسى، على قدر اقتناعى بأنهم لا يملكون برنامجا ناضجا للتعاطى مع قضايا الوطن، أعطت ثقلا لك فى أرض الميدان وأنت لا تستطيع أن تنكر عليه ذلك لكنك فقط يوم استتبت الأمور وسار الناس إلى خيارات أكثر تطورا فى المشهد السياسى اكتشفت أنه لا يمكن لك أن تأتى عبر الصندوق، لمجرد أنك وقفت فى ميدان التحرير تطالب بسقوط النظام، وكان واجبا عليك أن تعمل على جذب الجماهيرية وأنت فى أوج انتصارك.
لا تنسى أنك من مررت لنا الرئيس الحالى عبر الانتخابات الرئاسية بدعوى رفض المرشح الآخر لانتمائه للنظام السابق كما زعمت وتريد منا الآن أن نلعب نفس اللعبة وهو تمرير سحب الثقة من الرئيس لكرهك فقط لجماعة الإخوان المسلمين وليس يتم اختيار الرؤساء أو رفضهم من منطلق الحب والكراهية فقط، وإنما بالأصول والقواعد التى ناديت بها طيلة حياتك، احترام الآخر وصوته فى الصندوق واحترام مشاعر الجماهير التى خرجت وتعبت حتى تدلى بأصواتها ولست أظن أن هناك طريقا آخر نستطيع أن نتطور به إلا أن الفوضى والضوضاء قد أصبحتا طعامين مفضلين على مائدتك ولا يستقيم شبعك إلا بالاحتجاجات والاضرابات وقطع الطرق والشك فى أى محاولات للإصلاح حتى أصبح الطعام فى أفواهنا مرّاً!.
إن الوطن يحتاج للبناء وليس للهدم وإذا أردت مواجهة الأخونة كما تزعم فتلعب الديمقراطية بشروطها وآلياتها التى ليس منها شخصنة الأمور، وإنما منها الانتخابات وتكوين جبهة معارضة قوية تساند وتدعم السلطة عبر كشف عيوبها وتهديدها بسحب الثقة إن لزم الأمر، كى تعدل من وضعها أو لترحل وفقا للدستور، وهذا المعيار الذى تريدنا أن نطرحه أرضا ونستبدله بسلوكيات ليست من لوازم البناء الصحى فى المجتمعى، وإنما سلوكيات تضعف أركانه كمحاولات هدم المؤسسات، والتى شاركت فيها للأسف السلطة فى بعض جوانبه، كمحاولة النيل من القضاء، ومحاولات استعداء الجيش، ودفعه نحو الانقلاب وأنتم سابقا قد أهنتم رموزه الوطنية وكان هتافكم هو المطالبة بسقوط العسكر!.
يا صديقى عارض بشرف أو لتصمت، وإذا أردت أن تخوض معركة فليكن سلاحك هو حب الوطن وليس كرهك للمشروع الإسلامى الذى أساءوا إليه!.
يا صديقى إن النار والدخان كلاهما يحرقان الأرض ويزهقان الأنفس البريئة، فإذا أشعلت نارا فلتعلم بأن دخانها قاتل أيضا ووطننا يحتاج أشد ما يحتاج لمن يفكر له وليس لمن يفكر عليه، ودعوتك بسحب الثقة العشوائى هذا يزيد الأمور تعقيدا ولا ينبئ عن مستقبل جيد لى ولك ولا لولدك وابنتك ولا لولدى وابنتى!.
وختاما أدعوك أن تفكر مرة أخرى وتختار لابنك إما أن يمسك حجارة من الأرض يقذف بها البيوت والزجاج ويكون هذا هو منهجه فى التغيير، أو يدعو الناس إلى الصندوق الانتخابى ويحاول أن يكون نائبا فى البرلمان ويغير الوزراء والحكومات عبر قنواته الشرعية، ولتعلم أن الجزاء يكون من جنس العمل، فالحجارة عندما تقذف ترتد وورقة إبداء الرأى تقوده وتقود مصرنا الحبيبة إلى عالم آخر من التطور الذى يحترم الإنسان فيه أخيه الإنسان ورأيه دون تمييز فى اللون والجنس والدين!.
صورة أرشيفية