محمد جاد الله

خطوات إلى باب الحوار

الجمعة، 17 مايو 2013 04:00 ص


العمر قد يكون أقصر مما يتخيل أى منَّا..
وقد يمضى قبل أن تكتمل معرفة الإنسان بسلوكياته الحوارية، والنمط الحوارى الذى يمثله..
وقد يظلم الإنسان بذلك ذاته، بمغافلتها وإسقاط عيوب سلوكياته ونمطه الشخصى فى الحوار على الآخر..
فيظلم الآخر بظلمه لذاته..

فما هى ملامح رحلة الوصول إلى أبواب عالم الحوار المتحضر؟
- خاطب ذاتك محاولاً التواصل معها، واحرص على أن تميز صوتها الحقيقى من بين أصوات كثيرة تنتحل شخصيتها، وتقلد صوتها، مُدَوِّية فى عقلك وقلبك.
- إن استطعت تمييز صوت ذاتك والتعرف على ما تقوله بوضوح، مراعياً أن ذلك يحدث عادة بعد محاولات شاقة مليئة بالعزم وإخلاص النية فى المعرفة، أو قد يحدث فى لحظة إلهام تختفى بنفس السرعة التى تظهر بها، فأنت على الطريق السليم.

- احرص على توليف الموجة الفريدة التى تستقبل عليها صوت ذاتك فى وجدانك، ولا تخدعها بعد ذلك بالتظاهر بعدم تمييز صوتها؛ كى لا تخدعك..
فأنت وذاتك واحد.. وإن لم تتسق معها.. فسوف يشقيك انقسامك عليها فى تواصلك الإنسانى مع الآخر ما حييت..
- استرجع بدقة آخر حوار طويل قمت به مع آخر، يختلف عنك فى الدين أو التوجه السياسى أو المنظومة القيمية.

- بعدها اسأل ذاتك:
هل أعجز أحياناً كثيرة عن توصيل المعنى المراد؟ هل أفتقد شجاعة المواجهة الصحية؟ هل أمارس أحياناً التأويل والانتهازية، طبقاً لمجريات الحوار؟ وإن كنت أفعل ذلك فهل أعتبر تلك مقامرة باللعب على الحبال المختلفة؟
إن كانت الإجابة "بأحياناً"، فهذا النمط الحوارى يدعى "الصمت والغموض السلبى"، والذى يتخفى كثيراً تحت قناع مكتوب عليه "الحكمة والوسطية فى الحوار".

- سَلْ ذاتك:
هل أعتبر كل حوار مناظرة أهدف فيها للانتصار لوجهة نظرى التى أراها حق لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه؟ وهل أتطرف بالأمر إذا احتدم الحوار إلى محاولة سحق وتشويه الآخر وإقصاءه؟ وهل أهدف بذلك إلى السيطرة والهيمنة؟
إن كانت الإجابة "بأحياناً"، فالنمط الذى تمارسه يدعى نمط "التناحر"، وما تمارسه من خلاله فى الحوار يطلق عليه قواعد "المباراة الصفرية"، التى لا كاسب فيها إلا الباطل.

- ثم اسأل ذاتك:
هل أتحدث كثيرا عن الماضى فى حواراتى، بينما لا أطبق الدروس التى تعلمتها منه فى حياتى العملية ونظرتى للمستقبل؟
هل أطمئن إلى أدواتى الفكرية، معتقداً أنها الأكثر تطوراً ودقة؟
إن جائتك الإجابة "بنعم" واضحة، فإن ذلك ما يطلق عليه نمط "غيبوبة الماضى" فى الحوار.

- سَلْها دون تردد:
هل أدخل فى حواراتى مع الآخرين بصور ذهنية نمطية وتصورات مسبقة عن أطراف الحوار، والأحداث المتوقعة خلاله؟
وهل تهيمن تلك التصورات على ذهنى، وتحد من حسن استماعى وتفكيرى الموضوعى؟
الإجابة "بغالباً" تعنى التأثر بنمط "الفكر التآمرى"، وهو نمط سائد فى المجتمعات الشرقية.

- سَلْها:
هل أتشدق فى حواراتى كثيراً بمقولات تعطى الانطباع باحتكار الحق والحقيقة فى كل ما أقول؟
التردد فى الاستماع إلى إجابة الذات على هذا السؤال هو دليل على تأثر بنمط "التسلط"، والذى يعد نتاجاً لترسخ ثقافة الاستبداد فى الرأى، وغياب الديمقراطية، وهو من أكثر الأنماط انتشاراً فى أوقات تشتد فيها الصراعات المجتمعية.

- وأخيراً اسأل ذاتك:
هل أستسلم باستلاب ملحوظ إلى خط فكرى مقدم من أحد الأطراف الآخرين الرئيسيين فى جلساتى الحوارية؟
هل أنا منغلق عادة على نظام قيم دينى أو عالمانى بصورة متحجرة؟
هل أعجز عن إدراك البدائل المطروحة وتقييمها بموضوعية؟
هل أُسقطُ أكبر الإشكاليات والمحن على شخص أو فصيل بعينه، دون أن أنظر غالباً إلى الجذور التاريخية والأسباب الجوهرية لتلك المحن؟
وإذا كانت إجابات الذات ولو جزئياً "بنعم"، فإن ذلك ما يُعَّرَف فى الحوار بنمط "الاستلاب والإحباط".


بعد تلك الرحلة مع الذات للتعرف على طبيعتها الحوارية، إن رصدت فيها بشفافية أحد تلك الأنماط أو "كوكتيل" متنوع النسب منها، فاعلم أنك كإنسان تقف بذاتك على بعد خطوات من الباب الأول للخروج إلى نهار التواصل الحوارى المتحضر، الذى يليق بإنسانيتك.
..
استعن بالله وادرس خطوات الوصول إليه.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة