"الستينيات وما أدراك ما الستينيات" تلك الصرخة المدوية التى أطلق لها مرسى العنان فى سماء المحروسة مندداً بالستينات وأحداثها، وهى العبارة التى حملت مشاعر ومواقف لسنين عجاف ألمت بتيار الإسلام السياسى، والذى كان متمثلاً فى جماعة الإخوان المسلمين، كما ألقت تلك العبارة بظلالها على الخلفية التى جاء منها والانتماء الذى أتى به، حيث انبرى الرئيس ليعبر عما جال وسيطر على العقول جراء تداعيات تلك الحقبة بأحداث صنعت التاريخ بعدما مرت من البوابة السوداء، لكنها ليست كل التاريخ ولا جميع بواباته.
أخطأ الرئيس حين حبس نفسه فى تلك الدائرة وتوجيه النقد للحقبة الناصرية، فكان إعلاناً واضحاً عن انحيازه وانتمائه الأيدلوجى والذى اعتبر سقطة حسبت عليه، فلا يليق برئيس لكل المصريين باختلاف انتماءاتهم ومعتقداتهم وأيدلوجياتهم أن ينصب نفسه قاضياً وجلاداً لحقبة تاريخية ينتمى إليها شريحة من المصريين، وهو ما اعتبر إعلاناً رسمياً عن عداءٍ تاريخى، وهو ما أسهم فى تعزية ادعاء بأنه رئيس جماعة وليس رئيساً لدولة، حيث أخذت البذرة فى النمو بعدما أحاط بها مناخاً سياسياً عُبأ بالاحتقان والمتناقضات السياسية والأيدلوجية، وقد تسيده حرباً معلنة على الثورة المصرية تسلحت بكل شائبة أو نقيصة أو ذريعة للانقضاض عليها.
لاشك أن الحقبة الناصرية كغيرها من الحقب السياسية لها ما لها وعليها ما عليها؛ حيث احتوت على كثير من السلبيات السياسية، وما أحاط بها من تعثر فى الخطى نحو الحريات بعدما نُكست أعلام الديمقراطية.
وفى المقابل فقد حظيت بكثير من الإيجابيات الاقتصادية، حيث لا يستطيع منصف أن يُنكر ما سعى إليه ناصر، وبخطى سريعة نحو النهضة الاقتصادية بإنشاء الكثير من المصانع والمؤسسات والمشاريع التى اعتبرت قومية، وهى رصيدنا إلى الآن فى الإنجازات الاقتصادية؛ حيث ما زالت تمثل العصب الرئيسى للحياة الاقتصادية فى مصر، وهو ما عجز من تبعه فى تحقيقها، حيث أعقب وفاته مرحلتين من الحكم طال أمدهما لأكثر من أربعين عاماً لم يحظ أياً منها بأى قدر من تلك الإنجازات، وغريب الأمر أن من يبتغى نحو تلك الإنجازات سبيلا فسيجد نفسه وقد اقتفى أثرا ناصرا وانتهج كثيراً من نهجه الاقتصادى، وهو ما أكده الرئيس مرسى فى إشادته الأولى بناصر، أرجوأن لا تكون الأخيرة، وأخطائه التى يسعى لتكملتها، وهى خطوة خطيرة لم يسبقه أحداً من العالمين ببواطن تيار الإسلام السياسى، حيث تشير تلك الخطوة النادرة إلى دلائل وأمارات كثيرة تصب جميعها فى رصيد مرسى، غير أن الأهم من التصريح هو السعى قدماً وبخطى متسارعة نحو الاستقلال الاقتصادى الذى سوف يسهم فى زيادة معدلات النمو على أمل أن يشعر بها المواطن الذى قامت به وله وعليه الثورة المصرية.
فعندما يتخلى المرء عن انتماءاته الحزبية والسياسية والأيدلوجية، ويعيد النظر إلى الأمور وتقييمها بحيادية متنزهاً عن أى غرض أو مرض، ويرى بوضوح وشفافية الإيجابيات قبل السلبيات، وعندما يتغاضى عن عذابات السنين والقهر والظلم وأهوال عانى منها تياره السياسى، وما زال، فإنها وبحق شهادة ميلاد تعلن وبوضوح أنه الآن وفقط أصبح رئيساً لكل المصريين.
إن من يريد أن يمتلك زمام أمور المصريين لابد وأن يمتلك قلوبهم وعقولهم بأن يسارع الخطى بإصلاح سياسى واقتصادى على التوازى لتحقيق آمال وأحلام المصريين. إن تقييماً للحقب التاريخية هو حق مكفول وفقط للشعب المصري، فهو الشاهد الوحيد على العصر.
الزعيم جمال عبد الناصر