لم أملك وقتها إلا أن أضرب كفاً بكف وأمصمص الشفاه وأحسبن وأحوقل ثم أرحل وصدى كلماتها ينخر فى الجزء المتبقى من عقلى.. "يبقى الموت فى بلدى أهون وأكرم".. قالتها ورحلت..
وجدتها فى مطلع العشرينيات من عمرها.. فتاة بدت لى عجوزا عن بعد, وجه ملائكى رغم إرهاقه وشقائه.. تحمل حملاً ثقيلاً يعرقل تحركها بسرعة طبيعية.. تسير على عجل, تنتقل من طاولة إلى أخرى, تقترب من الجميع وتهمس فى أذنهم كلمات, تعرض شيئاً عليهم ثم تبتسم وترحل.. تترك انطباعا محزنا على أوجه الجالسين, تجعلهم يهمسون فى أسى ويتعجبون.. يزين وجهها ابتسامة غريبة تنمّ عن تحدٍ وإصرار وعزة نفس وحزن وألم فى آن واحد.. وتظهر أفعالها كبرياء وكرامة وسموا فريدا، برغم أن ما تعرضه اعتدت أن أرى مروجه يتصنع البؤس والتسول والخضوع أغلب الأحيان.
انتظرت قليلاً حتى اقتربت.. فقد حان دورى لتلقى كلماتها فى همس.. كان الصوت حولنا عاليا لدرجة عرقلت سماعها بوضوح.. عانيت كثيرا لأسمعها وأفهم كلماتها بدقة.. كانت لهجتها مختلفة وصوتها خافت.. لم أفهم جميع كلماتها حتى نطقت بكلمة يعرفها ويتقنها ويرددها أغلب المصريين "هيك" قالتها فى إشارة إلى ما تحمله من عروض لبيع "الروائح والبرفانات" الأجنبية.. اندهشت و سألتها مسرعاً فأجابت نعم أنا من سوريا..
تملكت نفسى حتى لا أظهر تعاطفا أو حزنا أو نظرة تنم عن دعوة لرحمة عزيز قوم, وركزت كل تفكيرى فى محاولة مساعدتها بالحصول على عمل لائق بامرأة تبدو متعلمة وواعية, فطلبت منها أن أعرف مؤهلها وأشياء قد تساعد فى توفير وظيفة لائقة.. وتوالت الصدمات.. كانت تدرس اللغات والترجمة فى جامعة سورية قبل قدومها مع زوجها إلى مصر.. يعمل زوجها فى إحدى محلات الأطعمة السورية ويحضر دكتوراه فى جامعة القاهرة.. ترفض كل محاولاتى لإقناعها بالبحث لها عن وظيفة تجنبها بيع "البرفانات" على المقاهى والنظرات غير البريئة من النفوس المريضة التى تنهش الأجساد المحتشمة..
حاولت أن أساعد فى توفير وظيفة لزوجها، فرفضت أيضا بحجة أنه يعمل مع مجموعة سورية..
مرت دقائق قليلة لإقناعها ولم تقتنع, وما إن ملت من محاولاتى لمساعدتها حتى قالت بعد شهر من الآن سأجلس فى البيت حتى انتهى من "ولادة ابنى" وإن لم يتحسن الحال سأعود إلى بلدى.. الحياة فى مصر صعبة وغالية وفيه مضايقات من الناس, قاطعتها ناصحاً بعدم التفكير فى العودة قبل هدوء الأحوال فى سوريا فصدمتنى بمقولة تحمل آلاف المعانى والرسائل لقوم يشعرون "وقتها يبقى الموت فى بلدى أهون وأكرم"..
قالتها ورحلت تاركة بداخلى فيضا منهمرا من الأسئلة عن الموقف العربى من الأزمة السورية ومصر بالتحديد.. و للأسف جاءت الإجابات كلها تتلخص فى قول واحد "نعم الموت بات للسوريين أهون وأكرم من الموقف العربى المخزى والمهين فى حل الأزمة التى راح ضحيتها ما يفوق عن مائة ألف شهيد حتى الآن والأعداد فى تزايد.. العار كل العار يا أمة العرب العاجزة..".
وما إن إنتهيت من محاولات الوصول إلى تفسيرات للموقف العربى المألوف للثورة السورية حتى إصطدمت بسيدة سورية فى مطلع الأربعينيات تقف على جانب الطريق و تستعطف المارة المساعدة فى تدبير مصاريف علاج زوجها.. وللحديث بقية.
مصطفى فهمى يكتب: شامَ المجدِ... تأبى أنْ تُذلّ
الثلاثاء، 14 مايو 2013 04:51 م
صورة أرشيفية