كثير من الناس فى هذه الأيام، اختلطت فى رأسهم الأفكار والتبست المعانى، وضاعت القيم الحقيقية والأسس بين تفاصيل الحياة اليومية ومصاعب الحياة التى تأكل الناس، والعقول، وتدفن القدرات والمواهب، وتسلب الإرادة من الأجيال التى تكبر حاليا لكى تقود المستقبل.
ومن القضايا والمعانى التى أحجم عنها العلماء والمفكرون ولا يتطرق إليها أحد من النخبة، وتعتبر عند الكثيرين من البديهيات التى أعترف أنها تستعصى على التعريف الموحد، وتصعب أن تخرج من حيز الإحساس إلى حيز العمل، قضية الوطن، وتعريفه والإحساس به وإدراكه وأزعم وقد أكون مخطئا أن الكثيرين من نخبة هذا الوطن، إذا واجهتهم بسؤال مباغت كى يعطوا تعريفا للوطن تعريفا واضحا يبرر أفعالهم ويعكس توجهاتهم وآراءهم فلن تجد عندهم إجابة بل وبعضهم سيخرس وينحسر صوته وراء اللعثمة والثأثأة.
ما هو تعريف الوطن، وهل هو قيمة نسبية، أم مطلقة، وهل يختلف هذا التعريف بين أبنائه، أم أن كلا منا له تعريفه الخاص، وهل يختلف التعريف بين زمن وزمن أو يتفق ولا يتغير، وهل تعريف الأوطان واحد على مستوى البشرية، أم أن لكل وطن تعريفا خاصا بها، ولكل أمة ولكل زمان؟
ومن القضايا أيضا التى لا يخدش حياءها أى أحد، تعريف الشريعة الإسلامية، وحينما تتجه بسؤلك لأحد المتنطعين من أصحاب التيار الذى يدعى الإسلام، يخرج عليك وهو يلوى لسانه بعلامات الضم والفتح، كى تحسبه من الكتاب، إن مقاصد الشريعة كذا وكذا، وتعود فتسأله أنا لم أسأل عن مقاصدها، أنا سألت عن تعريفها ذلك التعريف الذى يقضى على حجج الجميع، ويطلى المعانى بطلاء الحقيقة فيزيدها وقارا وشموخا.
ومن القضايا التى لا يجرؤ أحد على المساس بها، هو المزج بين القضيتين والتعريفين السابقين، تعريف الوطن وتعريف الشريعة، ذلك المزج المتجانس الذى يعطى قيمة جديدة، ومعنى مختلفا ومنظورا يخدم كليهما، لا المزج الذى يقضى على الاثنين ويضيع كل قيمة، تجانس لا تضاد، ووحدة لا فرقه، وقيمة تزاد بالأخرى، فتعطى مستقبلا واعدا.
وزيادة فى العمق والتحليل، نسأل سؤالا فارقا، يفتن البعض، ويعجز الآخرين، وبين هؤلاء وأولئك نفر قليل يفهمون ويدركون
أيهما أكثر أهمية، وأكثر قيمة، بل قل وبكل جرأة أيهما أولى من الآخر، هل يكفيك وطن، أم تكفيك الشريعة، أم لا تستطيع أن تعيش بدونهما.
وكعادة محببة لقلبى بل وأقول لعقلى، هى أيضا قريبة، أن أقيس وأستند على التاريخ الذى تحققنا منه، ونسوق مثالا منذ آدم عليه السلام، وحتى نبينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أمر الله سيدنا آدم، بالهبوط إلى الأرض، وألزمه بالرسالة وبالشريعة، وكما أمر الله أبانا آدم بذلك، أمر جميع أنبيائه ورسله، فما من نبى ولا رسول إلا وهاجر، سعيا وراء وطن يستطيع أن يقيم فيه شريعة الله، وأن يعيش فى ظلها، وأن يكسب بذلك الدنيا، وينال رضا الخالق عز وجل، إن خروج الرسول عليه الصلاة والسلام من أرض مكة، التى أخبرها وهو يحدثها أنها أحب أرض الله إليه وأنه لولا أن أهلها أخرجوه منها ما خرج، هاجر بحثا عن وطن بديل، يؤسس فيه دولة التوحيد وينشر منها الإسلام، خرج فى ظلام الليل وتحت ستاره، متحسسا طريقه، حتى يجد أرضا جديدة يعبد فيها الله وتقام شريعته من دون أن تعترض، حتى تستطيع أن تنمو وتكبر، فتحمى العالم بظلالها من الصراع ومساوئه ومن الدنيا وطمعها.
إن الشريعة يا سادة، كالبذرة لا تنبت إلا فى أرض صالحة للزراعة، وتروى بماء عذب، وترعى صغيرة من البرد والحر الشديد، حتى تستظل بها الشعوب، وتجنى ثمارها الأجيال التالية، وهى أيضا لا تستطيع أن تستمر إلا إذا استمر الناس فى رعايتها، وتذبل وتخبو بل وأحيانا تنطفىء حينما يلهو عنها الناس، إنها لا توجد إلا بوجود الأرض وبوجود البشر.
فلا شريعة من دون وطن، ولا شريعة من دون أناس يطبقونها، ولا قيمة لها من دون الاثنين، فهى إن بقيت وحيدة، ماتت وانتهت وأحل الله بديلا لها برسالة أخرى، أو أحل شعوبا بشعوب، يستطيعون أن يقيموها وأن يعطوها حقها، إنها بلا منازع ذلك الرقم الذى إذا خرج من معادلة الوطن كانت نتيجته الصفر، فأى رقم مهم كان كبيرا حاصل ضربه بالصفر صفرا آخر.
إننى لا أقدم تعريفا للشريعة، ولا يحق لى ذلك، وأيضا لا أقدم تعريفا للوطن فلست زعيما لأحد، لكنى أظهر المغالطة التى نعيش فيها، من أشباه علماء، توشحوا ببياض الجلابيب، وارتدوا لحى لا تقيم أود الشريعة، وهم من العلم كالمخيط من ماء المحيط، لا يخرج منه بشىء.
إن دعاوى التمكين، وفلسفة الأركان الأربعة أو الأربعين أو حتى الملايين لمقاصد الشريعة، التى تخرج الوطن من المعادلة لا تعدو أن تكون كزبد البحر، وكغثائه لا قيمة لها ولا خلاق، ودعاوى كراهية المشروع الإسلامى لكل المعارضين، ولحوم العلماء المسمومة التى لا تحمى إلا مدعيى العلم والجهلة، والرويبضة الذى جعلت من الجهلة علماء، ومن العلماء جهلة، لن تخرج هذا الوطن من عثرته.
عباد الله، إن الشريعة ملك لله، ولا أحد يحكم فى ملك الله بغير مراده، ولا أحد أغير على صنعته منه، ويوما ما سيخرج علينا من يضع كل فى مكانه.
صورة أرشيفيه