الدولة بأجهزتها ومؤسساتها هى ما يركن عليه وإليه المواطن البسيط، فيحتكم إليها فى خصوماته لكى تقتص له وتعيد إليه حقوقه، غير أنه فى ظل تقاعس تلك الأجهزة عن أداء دورها، اختفى الدور المنوط به دولة القانون.
ولقد شرع الله القٍصاص وجعله شرطاً لتحقيق العدل الركن الأساسى والأصيل فى الملك أو الحكم، وما جُعل القٍصاص إلاً لردع من تسول نفسه أن يرتكب جرماً أو يزهق نفساً حفاظاً على حياة الجميع وحقوقهم، ولتهدأ نفوس حائرة شعرت بالظلم فإن وجدت القٍصاص أطمأنت وإن لم تجد فهى الغابة التى ستحتضن ذلك المجتمع، حيث سيبدأ كل من فيها أن يستعيض بنفسه عن الدور الموكل به الدولة.
فعندما غُيبت العدالة بإخفاءٍ للقرائن والدلائل وطمسٍ للحقائق وحرقٍ للمستندات وفرمٍ للملفات وإفسادٍ للقضايا فى جرائم قتل المتظاهرين فى ثورة يناير وما تلاها من أحداث ووقائع، فلم يجد القضاء إلاً أوراق براءة للجانى، وبرغم من يقين القضاء والقضاة بإدانتهم إلاً أنه لا يملك سوى الحكم بما جاء بين يديه من مستندات، فكانت البراءات التى وُهبت للقتلة والمجرمين.
وبانتشار حالة الانفلات الأمنى التى خُطط لها من المخلوع قبل تنحيته بعدما خير الناس بينه وبين الفوضى فنُحى فكانت الفوضى التى أشرف على تنفيذها رجاله وسدنة حكمه الذين مازالوا عالقين بأركان الدولة ومؤسساتها.
وفى ظل تخاذل يصل إلى حد الجريمة من الأجهزة الأمنية التى عكفت طيلة حياتها على السهر على أمن الحاكم وحاشيته - والتى لم تألو جهداً فى قمع وقهر وكبت الحريات تحقيقاً لذلك الهدف - فقد تقاعست بشكل واضح فى أداء دورها فى حماية المواطن وهو الدور الذى أُنشأت من أجله.
أيقن المواطن تلك الحقائق، فأوكل البعض لنفسه القيام بتلك المهمة حيث شرع فى تنفيذ القٍصاص "حد الحرابة" على من يهدد أمنه ويعتدى على حرماته، حيث تم تنفيذها على عددٍ غير قليل من البلطجية والمجرمين فى بعض المحافظات.
وبرغم حالة الانفلات الأمنى واختفاءٍ لدولة القانون إلاً أن هناك بقية من شرفاء فى تلك الأجهزة مازالت تؤدى دورها بإخلاص وأمانة، غير أن الظروف والتحديات الراهنة أثرت فى أدائها لمهمتها فأصبحت غير كاملة ونجاحها غير محسوس، فليكن التعامل مع البقية المتبقية من الشرفاء دون تقمص لأدائهم.
كما لم يبيح الدين قيام الفرد بدور الدولة أو ولى الأمر برغم من أنه المجنى عليه، فبتنفيذه القٍصاص على من أخطأ فى حقه تحول إلى مُدان ووجب عقابه، كما أن ذلك مدعاة لأخذ الناس بالشبهة والشك والريبة وصناعة المكائد وهو ما يعد تعضيضاً لحالة الفوضى وغياب الأمن واختفاءٍ لدولة القانون التى نعانى لها ومنها.
لابد وأن تتعاظم الجهود وتتكاتف بداية من رأس الدولة بأجهزتها الأمنية ومؤسساتها نهاية بالمواطن البسيط فى عودة الحياة إلى دولة القانون وضبط أداء الأجهزة الأمنية المعنية مقروناً برقابة قانونية لمنع أى تجاوزات.
لابد من سرعة هيكلة وزارة الداخلية وتغيير عقيدتها ومنهجها ونهجها فى ظل رقابة من القانونيين والحقوقيين.
لابد وأن تتغير قناعات القضاة فلا يُكتفى بالأوراق المقدمة خاصة فيما يحدث على مرأى من الجميع فيكفيه دليلاً.
محمود البدرى يكتب: حد الحرابة وغياب دولة القانون
الأربعاء، 06 مارس 2013 08:45 ص
صورة أرشيفية