حادث المرشدة السياحية الذى وقع الأسبوع الماضى على إحدى البواخر السياحية يذكرنى بالمشهد السينمائى الذى كتبه المؤلف أحمد الخطيب، فى فيلمه كراكون فى الشارع حين فوجىء الفنان عادل إمام بمباحث الآداب تقف عند طرف فراشه الذى يرقد فيه فى أمان واطمئنان بجوار زوجته ليسوقوه أمامهم متهماً إلى قسم الشرطة.
فالمرشدة السياحية "كارمن" كانت تنام فى غرفتها بأسفل الباخرة السياحية فى أمان الله بعد عناء يوم شاق طويل ، وشعرت فى نومها بشىء ما يمر على وجهها ، كأنها بعوضة أو ذبابة، فمدت يدها لتهشها ، لتكتشف أن وجهها يمتلىء ببرذاذ زجاج متطاير، ثم ما لبثت أن أفاقت على تحطيم زجاج نافذتها بضربات متلاحقة من الخارج ، فتقفز من فراشها مذعورة لترى قارباً من قوارب الباعة يلتصق بجدار الباخرة والبائع الذى حطم زجاج غرفتها ينظر إليها من الخارج فى تحدّ واستفزاز ممتزج بالسخرية والفضول ومستعد أيضا للقبض عليها.
والحكاية تتلخص فى أن انفلات الأمن الذى تعانى منه السياحة فى مصر وهوالسبب الرئيسى فى انهيارها ، انحدر وتدهور لدرجة أن باعة الجلاليب تفتق ذهنهم عن وسيلة جديدة من وسائل الاستجداء فى بيع بضاعتهم الرديئة للسياح، وهى أن يربطوا قواربهم الصغيرة إلى أحد جوانب البواخر السياحية لتسبح معها هذه القوارب المسافة من مدينة الأقصر حتى مدينة إسنا ممتطية ظهر النيل الخالد الشاهد على تردى الأوضاع وهوان السلوكيات ، وخلال هذا الإرتباط العرفى بين القارب والباخرة السياحية يقوم البائع بعرض جلاليبه وبضاعته منادياً صارخاً كمن يبحث عن ضالته ، و بالصوت " الحيانى" ليخرج السياح قاطنى الباخرة مهرولين منزعجين إلى ظهر الباخرة ليفاجأوا بأحدث طرق الشحاذة والنصب والإحتيال بإسم البحث عن الرزق و البيع فى بلد العجائب ذات الحضارة ، لتلتقط الكاميرات هذا الاختراع الجديد لهذا الكائن الصارخ العجيب.
ولا يملك العاملون فى الباخرة أن ينهروا البائع ويحرموه من هوايته، لأنه سيقوم عندئذ بتهديدهم وترويعهم وسبهم وإحداث خسائر فادحة فى الباخرة، وهذا ما حدث مع بائعنا الذى منعته إدارة الباخرة من رياضته المحببة، فزمجر البائع واستشاط غضبا ، وأرغى وأزبد وسب وشتم بالمتاح من الألفاظ وغير المتاح منها، ورفع مجدافه وكأنه رمح يرشقه فى قلب أعداء الوطن، ليضرب به زجاج الغرفة الملاصق لها ليكسرها ويهشمها انتقاما من أهل الباخرة الأعداء الذين حالوا بينه وبين رزق العيال،
ومن حسن حظ السياح قاطنى الباخرة أنها لم تكن غرفة أحدهم وهوأيضا حسن حظ لمصرالمحروسة كلها وإلا لتتطاير الخبر ولظهر بعد ثوان فى كل المواقع الألكترونية ، ليرى العالم جسارة وشجاعة المصرى الحديث صاحب الجلاليب فى القضاء على سمعة أخيه المصرى القديم صاحب الحضارة، وكانت سيئة الحظ صاحبة الغرفة مهشمة الزجاج، مرشدة سياحية لم تفق حتى الآن مما وقع لها ومنع النوم عنها حتى تاريخه، ومنع النوم عن عيون الملايين الآخرين من العاملين بالسياحة بعدما انتهى الموسم السياحى وخرجوا منه صفر اليدين لا أحد يسأل عنهم وعن قوت عيالهم الذى ضيعته الدولة والحكومة بمهارة وكفاءة ليس لهما نظير.
والسؤال الآن من المسئول عن هذا العبث الأمنى الذى يتزايد أهمالا وانحداراً حتى أصبح هينا أن يفعل كل ما يريد وما يشاء .. وأين شرطة المسطحات المائية من هذا الحادث؟ وكيف جرؤ البائعون على ارتكاب هذا الجرم ؟ وهل ننتظر حتى يفقز أحدهم داخل الباخرة فيفعل باهلها وسياحهم ما يشاء ؟
وربما كان السؤال التالى هل هذا التهاون الأمنى لحماية السياحة تهاون مقصود ومتعمد مع سبق الإصرار والترصد؟
حقيقة الإجابة بدت لى واضحة جلية حين دهشت للتواجد الأمنى فى وادى الملوك بغرب الأقصر وعودة النسور والنجوم فوق أكتاف المتواجدين من الأمن ، فلا باعة يضايقون السياح ، ولا يجرؤ واحد منهم أن يتخطى حاجز الأمن ، ليمارس مضايقته ورزالته مع السياح كالعادة ، ومنيت نفسى بعودة الأمن لحماية السياحة فتعود من غيبوبتها التى أصابتها منذ ثلاثة مواسم سياحية ، وهنأت أحدهم بانتصارهم على الفوضى.
ولكنى عدت أدراجى من وادى الملوك مصدوما منتكساً بعدما عرفت أن تواجد النسور والنجوم على أكتاف الأمن هو فقط بسبب حماية فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية ..
أما السياحة فلا أحد يحميها .. متعمداً ومصراً على ذلك ..
لأنها ليست الأوزة التى تبيض لنا ذهباً ، وإنما هى ابنة البطة السوداء .. الكافرة!
على رمضان يكتب: إرهاب السياحة يصل إلى غرف النوم
الإثنين، 25 مارس 2013 12:15 م
صورة أرشيفية