حيث لا حر ولا برد، ولا جوع ولا عطش، ولا فتور ولا سأم، كانوا يعيشون فى وطنهم مرتاحى البال فى هناء، ومسرورين سعداء حتى أنساهم الطمع الطاعة لأبيهم والسمع، فعصوه ولم يمتثلوا لأوامره، فما كان منه إلا أن عاقبهم بالطرد من وطنهم، ولأنه كان دوما كريما ورحيما بهم، فقد وعدهم بالعودة إليه ثانية إذ هم أحسنوا التصرف وأطاعوه، ولم يعودوا لمعصيته واتقوه، ولكن عليهم أن يستقلوا قطارا من أجل رحلة العودة تلك.
وسيحدد أبوهم موعد الوصول حين تنطلق الصافرة معلنة اسم أحدهم، حينها سيتوقف القطار، ويتوجب عليه النزول، ولن يحرم العودة للوطن ويجبر على التيهة والشتات، إلا من اختار ذلك بنفسه، واستمر فى معصيته وغيه، وأساء التصرف فى رحلة عودته ولم يعلمهم أبوهم بموعد الوصول، فقط نبههم أنهم لن يصلوا جميعهم فى ذات الوقت، ولن يكون وصولهم بترتيب وضبط، فقط من سيختاره الأب سيصل.
ركبوا جميعا ذات القطار , رجالا ونساء وأطفال , وضعوا أمتعتهم فيه وأقاموا فى طرقاته الواسعة , شرعوا فى بناء مأوى يحتمون به داخله زرعوا طعامهم فى أرضه، وناموا واستيقظوا بين جنباته، وصنعوا ما يحتاجون إليه، وتزوجوا وأنجبوا وربوا أولادهم وباعوا واشتروا واقترضوا وأقرضوا وجمعوا الأموال وأنفقوها، وانشغلوا بآمالهم وآلامهم، بصحتهم وبمرضهم، أصبحت الحياة أثناء رحلتهم منتهى حلمهم، وغاية طموحهم، وزينوا قطارهم وجملوه، وأحبوه وعشقوه حتى أنساهم وطنهم وشغلهم عن حلمهم، قليل منهم من ظل يتمنى العودة للوطن وسعى من أجل ذلك، فلم تلهه انشغالات الرحلة ومتاعبها ولم تفتنه مغرياتها ومكاسبها عن ذلك الحلم القديم.
وفى غمرة كل ذلك تنبه الجميع استيقظ النائم وتوقف السائر، وأصاغوا جميعا لذلك الصوت الذى ألفوه، فكثيرا ما قد سمعوه، ومع ذلك يفاجئهم فى كل مرة ويفزعهم ويؤرق مضاجعهم.
حيث دقت مدوية صافرة القطار، معلنة اسم من وقع عليه الاختيار، وصرخ ملتاعا: لا أريد النزول لم أجهز نفسى بعد للوصول ألهتنى مفاتن رحلتى، عن وطنى ومقصدى، لم أحسن السلوك، أرجوكم أرجعون لعلى أعمل صالحا!!.
قيل له: محال، قد انتهت رحلتك والتيهة لك، لم تعمل من أجل عودتك أنت من اخترت الضلال، قال يا ليت قومى يعلمون، وعن وطنهم لا ينشغلون، وأغلقت بينهم الأبواب، وما بين حزن وترقب عاشوا جميعهم أيام وشهور، ثم عاد النسيان يتغلب بعد أن مرت دهور، انشغلوا فيها برحلتهم وألهتهم عن حلمهم ومقصدهم حتى انطلقت ثانية الصافرة وتوقفت بأحدهم القاطرة.
صورة ارشيفية