دعيت لحضور المناظرة التى جرت بين د. ناجح إبراهيم ود. باسم يوسف بقاعة "باسيلى" بالتجمع الخامس بالجامعة الأمريكية، وأدارها بحيدة واقتدار الإعلامى حافظ الميرازى، وشرفنى د. ناجح فى منزلى حتى ضحوة اليوم التالى مما أتاح لى التعرف عن قرب لردود الأفعال، وبداية فإن هناك ملاحظات قد تبدو شكلية لكن تضع تحتها علامات استفهام، حيث قدر لى أن أطلع على الأسئلة المكتوبة التى قدمت للميرازى، حيث عرض بعضها فقط لضيق الوقت، وقد لاحظت الركاكة الشديدة فى اللغة العربية، حتى أن سؤالا من الأسئلة لم أستطع قراءته أصلا، وفى المقابل فالأسئلة المكتوبة بالإنجليزية خلت تماما من الركاكة والأخطاء؟ الملاحظة الأخرى وبما أننى أدرت عدة ندوات بإحدى الجامعات المصرية بالصعيد بان لى الفرق الشديد فى مستوى الأسئلة من ناحية الفكرة ومن ناحية الاهتمام، فالطلبة فى الجامعة الأمريكية يهتمون بالقضايا الكلية العامة والمصيرية وإخوانهم فى الجامعات الأخرى مغرقون فى أسئلة متعلقة بالشكليات والمظاهر، هل فى هذا علاقة فى التصويت بنعم على الدستور لدى هؤلاء وبلا لدى الآخرين؟
لقد كشفت المناظرة عن وجود مشكلة كبيرة لدى هذه الفئة من الطلاب تجاه التيار الإسلامى لما شاهدوه من تصرفات تتنافى فيها الأقوال مع الأفعال، وتتناقض مع الصورة الذهنية التى كان الطلاب يتخيلونها عن الإسلاميين قبل الثورة، كما أن الطرح الذى قدمه الدكتور ناجح عرى الإسلاميين، فها هو باسم يوسف الذى كفروه وسخروا منه وشتموه.. يؤكد عدة مرات أنه يحترم الدكتور ناجح وفكره وخلقه وطرحه ورؤيته، لماذا؟ لأنه رأى فيه مثالا آخر غير الذى يعرفه، رأى فيه صورة الداعية الصادق فى قوله، والأمين فى عرضه، والعفيف فى لسانه.
باسم الذى يسخر ويهزأ من المشايخ إذا به اليوم يتكلم بكل احترام وأدب وأريحيه مع د. ناجح، وإذا بالدكتور ناجح يقول عنه فى المناظرة: "الذين يشتمون باسم يسيئون للدين، لأن الله قال: "وقولوا للناس حسنا"، نحن إذن أمام ثلاثة احتمالات: أولها أن باسم تغير موقفه من المشايخ وهذا غير وارد، والثانى: أنه ينافق الشيخ ناجح وهذا أيضا غير وارد، وبقى الاحتمال الثالث المؤكد وهو أن الصورة السمحة المشرقة الراقية التى قدمها د. ناجح عن الإسلام جعلت باسم يقف منها موقف الاحترام والتقدير.
لقد اتصل مثقفون ومنهم مسيحيون طوال الليل بالشيخ ناجح يشيدون بهذا التلاحم، وسبحان الله جاء اليوم الذى نسمع فيه قيادى إسلامى (ناجح) يقول: "لقد كان د. باسم مهذبا وراقيا ومتواضعا ونموذجا للتلاقى والتراحم مع بيننا من اختلاف فكرى".
لقد ظللت مع الدكتور ناجح قرب الساعة بعد الندوة داخل الجامعة، ورأيت العشرات من البنين وأكثرهم يطوقون أعناقهم بالسلاسل، والبنات وأكثرهن لا يرتدين الحجاب، رأيتهم وأنا أنظر بتمعن كيف لهولاء يتنافسون على المصافحة والتواصل مع رجل كث اللحية؟ الإجابة أن هؤلاء الطلاب فيهم خير ووطنية ومروة وشجاعة ويشتاقون للصورة النقية التى تقدم عن الإسلام، فإن وجدوها كما فى حالة الشيخ ناجح ــ وهذا نادر ــ هللوا لها وفرحوا بها واحترموها أيما احترام، وإن لم يجدوها وهذا هو الغالب الأشهر نفروا ــ ومعهم الحق ــ عن الإسلاميين، بل ربما نفروا من الدين كله، وقاسوا الإسلام من خلال تصرفاتنا وأخلاقنا، وجعلوا من أخطاء الإسلاميين حجاباً يشوِّش صلتهم بالله، ووالله ما صرف الناس عن دين ربهم إلا الصورة السيئة التى رأوها من تصرفات القائمين على الخطاب الإسلامى.
لذلك وصل الشباب إلى حالة انعدام ثقة، وحدث انفصال كلى بمن سبقهم، وبدأوا رسم طريقهم بعيدا عن امتدادنا الثقافى بسبب تصرفات أكثر المتصدرين للخطاب الإسلامى، ولذلك المشكلة الكبيرة التى واجهها الدكتور ناجح أن الشباب لم يقتنعوا ومعهم الحق بأن هذا الخطاب هو الغالب على الإسلاميين، بل سمعتهم يقولون: خطاب مبهر لكنه خاص بصاحبه، وهو ما أكده باسم طوال المناظرة، ويبقى السؤال: متى نرى جبهة الإنقاذ والإخوان المسلمين بصورة التلاحم والتلاقى الذى ظهر عليه الناجح مع الباسم؟