لا يستطيع منصف أن ينكر دور رجال صدقوا وطنهم على ما عاهدوا الله عليه فى نضالهم السياسى الذى امتد لسنين طوال فى محاولة منهم لوضع مصر فى مصاف الدولة الديمقراطية التى تسعى إلى تأصيل الحريات وتنشئة أجيال عليها.
أُثمن كل جهد بُذل منهم قابلته تضحيات جمًة بكل غالٍ ونفيس من غير أن ينتظروا مقابل أو يأملوا فى نتائج تُرجى، حيث كانت تواجه محاولاتهم بحائط صد فولاذى من الدولة البوليصية على مر عصور مصر كلها مما صعب من مهمتهم غير أنهم لم يألوا جهداً فى استمرار محاولاتهم وهو ما يعظم الدور الذى قاموا به غير منقوص حتى وإن جاءت النتائج على يد غيرهم.
أُقدر كل نتائج وصلوا إليها من غير أن تتضح معالمها حيث كانت ولا شك جسراً ليعبر به هذا الجيل إلى شاطئ الحرية، والبوابة الذهبية التى تؤدى الى عالم الديمقراطية.
بعد دخول مراحل الثورة المصرية فى منعطفات خطيرة اتسمت بالحدة والصراعات وكثرة الخلافات والاختلافات، ارتسمت دلائل واضحة وجلية لكل ذى بصر وبصيرة، حيث سادت فى الأوساط السياسية بين مختلف القوى والتيارات المتناحرة حالة إنسداد متواصل لعمليات النقاش وتصلب شرايين الحوار وضبابية شديدة وصلت إلى حد انعدام الرؤى والرؤية بعدما تمسك كل طرف بأفكاره وآرائه ومعتقداته ومطالبه التى تشبث بها.
لم يبد أحد من أطراف المعادلة السياسية أية مرونة تذكر يمكن أن تلقى ببصيصٍ من الأمل فى إمكانية الوصول إلى حلول مشتركة بل أن جميعهم ظل يهدم بمعوله فى الجسر الواصل اليهم وبينهم متخيلاً أنه يبنى صرحاً ستشيده أفكاره وآراؤه ومعتقداته التى لا تقبل القسمة ولا تحتمل الخطأ.
تناسى الجميع وتغافل عن حقيقة كونية هى سنة الاختلاف التى جبل الله عليها الخليفة "ولو شاء ربك"، فلم يمهل لنفسه فرصة ليتيقن أن خلافه مع شركائه أو حتى أنداده فى الميدان ليست نهاية المطاف أو القطيعة الكاملة.
ليس بالضرورة أن ينتهى نقاش بعضنا على أن يفرض أحدهم رأيه على الآخر بل يمكن أن ينتهى النقاش فى ظل احتفاظ كل برأيه من غير أن تكون المحصلة قطيعة أو عداء، كما أن جذور النقاش لابد وأن يغلفها قدراً من المرونة التى يمكن أن تسمح لأطراف النقاش أن يقدم بعضاً من تنازلات، فالوتر المشدود لابد وأن يقطع.
إن سبباً رئيسياً أوصل الساسة إلى طريق مسدود، وهى الشيخوخة السياسية فعجزوا أن يدركوا تلك المفاهيم فتصلبت شرايينهم وعقولهم عن رؤية مصلحة وطن فى مرحلة انتقالية لابد من تضافر كل الجهود لبنائه والعبور به إلى بر الأمان.
وعلى النقيض نجد كثيراً من الأجيال الشابة قد وصلت إلى تلك الحقائق من غير جهد أو عناء حيث شكلت جزءًا كبيرًا من وجدانهم الفكرى الذى نشأوا عليه، فأحاطوا أنفسهم بسياج من المرونة الفكرية وابتعدوا عن أسباب تصلب الفكر وانسداد قنواته برغم وجود اختلافات فى الرؤى والآراء، وهو الضمانة الحقيقية لأن يمسك كل طرف بتلابيب الوطن والعبور به إلى ما ننشده.
إن دوراً أساسياً لم يُمنح لشباب مصر ولتلك الأجيال الشابة لممارسة دورهم السياسى الذى هم أهل له وأقدر عليه، خاصة مع توافر قنوات اتصال بينهم مما يضمن نجاحه.
أقترح أن يتفضل الساسة الكبار قامة ومقاماً وعمراً والذين وصلوا إلى سن الشيخوخة السياسية فى أن يتكرموا بقبول استراحة محارب طويلة نسبياً ليتركوا الميدان إلى الأجيال الشابة لتمارس دورها وتأخذ فرصتها كاملة غير منقصوة لعلها تنجح فيما فشل هم فيه، ولا ضير من أن تكون تحت رعاية الساسة الكبار.
ميدان التحرير