تيارات إسلامية، تيارات مدنية وتيارات وسطية، وداخل كل تيار تقسيمات عديدة فالإسلامية منها الإخوان، السلفيون، الجماعة الإسلامية وحازمون وآخرون، والمدنية منها الليبراليون، العلمانيون، الناصريون، اليساريون والاشتراكيون، والحركات الثورية الحديثة وآخرون، والوسطيون منها الوسط، مصر القوية، مصر، والحضارة وآخرون. ولا أعرف كم وصل الآن عدد الجبهات والائتلافات والحركات الشبابية الثورية ولكنها يقينا بالمئات، كل هذا لا يؤرقنى إطلاقا إذا كانت مسارات كل هذه الأطياف هى متوازية وتلتقى فى نقاط تحقيق مصلحة الوطن.
ولكن المشكلة إذا كانت هذه المسارات متضاربة ونقاط التقائها إنما هى نقاط صدام وهدم وليست نقاط اتفاق وبناء.
والمشكلة الكبرى أن يكون من يقودون هذه التيارات لا يشعرون بجسامة الخطر على الجميع، وإنما الأمر بالنسبة لهم مثل لعبة سيارات التصادم بالملاهى ولا يعون مطلقا فداحة جرمهم بأنهم يلعبون بحاضر ومستقبل الوطن.
إن الفيصل فى هذا الموضوع هو اتجاه بوصلة العمل الوطنى فى ضمير كل سياسى بل كل مصرى، فإذا كان اتجاه البوصلة فى ضمائر الأكثرية مع اختلاف الأيديولوجيات والتوجهات الفكرية، فى النهاية يشير إلى المصلحة العليا للوطن وتحقيق المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، فسوف يتحول هذا التنوع فى الأيديولوجيات نعمة تصب فى مصلحة الوطن وكل المواطنين.
أما إذا كانت البوصلة تشير إلى تقديم المصلحة الخاصة على العامة والتعصب الأعمى للأيديولوجية أو الفصيل فوق المصلحة العليا للوطن، فقل على الوطن السلام ولن تجد إلا تناحرا يهدم أكثر مما يبنى وتجاذبا يمزق أكثر مما يجمع.
والحقيقة أنه يجب أن نعترف أن المجتمع المصرى عموما يعانى من مشكلتين خطيرتين فى هذا السياق، الأولى هى عدم قبول الآخر وافتقاد فن الحوار المتبادل وفن الاستماع، والثانية هى القدرة على الاندماج فى العمل الجماعى، وتحجيم الأنا المتضخمة فى الشخصية المصرية. وأنا أتمنى أن يتناول المفكرون والباحثون فى مختلف المجالات بعمق دراسة أسباب وكيفية علاج تلك المشكلتين فى الشخصية المصرية مع تبنى برامج إعلامية وتربوية على مختلف الأصعدة.
إننى أتمنى أن يتجه الإعلام إلى تبنى فكرة بناء الجوانب الإيجابية فى الشخصية المصرية بدلا مما يحدث من برامج لا حصر لها لا تفيد بل على العكس أحيانا كثيرة تعود بالضرر على المجتمع بل وتزيد من سلبيات الشخصية المصرية.
مشكلة أخرى تؤثر بالسلب على قطاع كبير من الطبقة المثقفة فى مصر، وهى فكرة المؤامرة وإننا لا نملك من أمرنا شيئا ولكن الدول الأجنبية هى التى تتحكم فى كل شىء لدرجة أننى ذهلت عندما سمعت من أحد النخبة كما يطلق عليهم أنه يؤمن بأن الثورة إنما فى الحقيقة تخطيط أجنبى، وأنا لا أعرف سبب تأصيل هذه الهزيمة النفسية والفكرية النكراء عند الكثير.
إننى أكره بشدة فكرة المؤامرة وأن نعلق فشلنا دائما عليها، إننى أؤمن أن العلاقة بين دول العالم إنما هى علاقة مصالح وكل يخطط ويسعى لتحقيق أكبر مصالح ممكنة لبلده، والقوى هو من يستطيع أن يكون دائما فى موقع الفاعل، ويكون الضعيف دائما فى موقع المفعول به، فلماذا لا نؤمن بأنفسنا وبأن لدينا من الإمكانيات فى كل المجالات التى تمكننا أن نكون فى موقع الفاعل وليس المفعول به.
والخلاصة أنه لا يمكن تحقيق التوافق إلا إذا اجتهدنا جميعا فى تغيير اتجاه بوصلة العمل الوطنى لنا إلى إعلاء مصلحة الوطن والمصلحة العليا فوق أى مصلحة أخرى. لا يمكن تحقيق التوافق إلا إذا تعلمنا كيف يستمع بعضنا إلى بعض، كيف نتحاور، ونؤمن أن الوطن يسعنا جميعا ويحتاج إلينا جميعا فيجب أن نتعلم قبول الآخر.
لا يمكن تحقيق التوافق إلا إذا علمنا أن العمل الجماعى سوف يعود بالفائدة علينا جميعا، أما التفرد فسوف يؤدى بصاحبه إلى الفشل والوطن إلى الوراء.
يجب أن نؤمن بقدرتنا على التحكم فى مصيرنا، وأنه لن تستطيع أى قوة بالتحكم بمصير وطننا إلا فى ظل فرقتنا وتنازعنا، يجب أن نؤمن بأننا نستطيع أن نكون فاعلين ولسنا فى موقع المفعول به ولكن هذا أيضا لن يتحقق إلا بتحقيق كل ما سبق ذكره على أرض الواقع.
صورة أرشيفية