جلسنا نتحاور كيف يصل صوتنا نحن المغتربين إلى المسئولين وإلى المعارضة على حد سواء؟ ترى هل يمكن نشر رأينا ومواقفنا كمصريين نقيم بالخارج؟ وهل لنا من سبيل نعبر من خلاله عن آلام وأمال ملايين المصريين البعيدين عن مصر. أسرد من خلال هذه الكلمات حجم المخاوف والهموم والقلق على بلدنا، والذى نخشى عليه السقوط نتيجة لعقوق بعض أبنائه. أرسم فيه الأمنيات الهائلة التى نحلم بها والطموحات الكبيرة لما يجب أن يكون عليه مستقبلنا. لم أنتظر طويلا واتخذت قرارا يقطع الحيرة وينهى حالة التردد بأن أنقل رأيى ورأى الكثيرين من حولى فيما يجرى من أحداث على الساحة المصرية، وبث تصور للمشهد من زاوية أخرى أكثر هدوءا، وبعيدة عن ساحات التوتر والقلاقل.
يحدونى أمل كبير أن تصل رسالتى لمن يهمه الأمر، وأن ينصلح وطنى وتستقر أحواله.
بعيدا عن التنظيرات السياسية والتحليلات العبقرية لنجوم الشاشات الفضائية وأبطال التراشقات السرية والعلنية، أقول وبالله التوفيق: إن الوضع فى مصر أصبح ملتهبا وحارقا لدرجة أصابتنا بحمى مستعرة ومزمنة، لا تكاد تنفك أعراضها حتى تعود من جديد. أضحى الاحتفال بذكرى الثورة وأحداثها فى نفس الوقت من كل عام لا يحلو للبعض ولا يروق لهم إلا على المزيد من جثث القتلى، وسفك دماء جديدة، وإدراج آخرين ضمن قائمة طويلة من المصابين والجرحى وأصحاب العاهات، وكأننا لا نتعلم من دروس التاريخ أو قل لا نريد أن نتعلم. أصبحت تجارة الدماء هى أسهل التجارات، والوقوف على جثث الموتى هو أعظم الوقفات، والهتافات بحق الشهداء هى أعلى وأغلى وأثمن الهتافات، صار موت الإنسان سوقا للمزايدات والمناكفات، والكل لا يعرف سوى هات هات.
لم يمض عامان على ثورتنا المجيدة التى أعادت لنا العزة والكرامة أمام كل شعوب الأرض، ووحدت بيننا جميعا حتى بدا جليا أن الكل يبحث عن مكاسبه الشخصية ومصالحه الخاصة، وترك الرماة أماكنهم بسرعة لأجل الغنائم، ولا نعفى من ذلك أحدا. وأن مؤسسة الرئاسة مترهلة وضعيفة لحد أن يتجرأ سائق ونش على اقتحام بوابة قصر الاتحادية. واتضح بما لا يدع مجالا للشك أن العلاقة بين الرئيس والمحيطين به لا تتعدى فى قوتها نسيج العنكبوت وربما صارت أكثر ضعفا ووهنا. وليس أدل على ذلك من فرار عدد من المستشارين هروبا من تحمل مسئولية قرارات لم يشاركوا فى صنعها أو بالأحرى لم يستشاروا فيها.
ليس عيبا أن ينتقد الرئيس ونظامه فى حدود اللياقة والأدب. بل إن ذلك يفتح الأبواب مشرعة كى تستفيد مؤسسة الرئاسة من كل الآراء المخلصة والوطنية. كان يجدر بالرئيس مرسى وهو فى غمرة الانتصارات والنجاحات المتتالية بعد زيارة إيران وحرب غزة أن يصرف جهوده للم الشمل والتوافق مع كل القوى الوطنية على أسلوب وشكل وطريقة إدارة هذه المرحلة التى اعتبرها فى رأيى بمثابة مرحلة انتقالية من 4 سنوات. انصراف الرئيس إلى تثبيت كوادر حزبه فى أركان الدولة وانشغاله بالسيطرة والتكويش كما تتهمه المعارضة على حساب الوطن، وإن كان يسيرا، فهو أحد مثالب هذه الفترة الحرجة من وجهة نظرى.
كان على الرئيس أن يحتوى كافة أطياف المعارضة وإشراكها معه فى إدارة دفة الدولة للوصول بسفينة الوطن لبر الأمان وتفادى أسباب اعتراض خصومه إذا ما سلمنا أن هذه الأربع سنوات هى مرحلة بناء لا تمكين لا بد أن يشارك فيها الجميع. لا أدرى لماذا لم يتم إقالة النائب العام فى نفس الوقت الذى أزاح الرئيس فيه طنطاوى وعنان، حيث كانت الأجواء مناسبة، ولم نكن بحاجة للإعلان الدستورى الذى جاء بعد أن جمع الفلول قواهم ولملموا شتاتهم، وقادوا المعارضة المهترئة التى لم تتردد فى التحالف معهم كراهية فى المشروع الإسلامى، كان ينبغى على الرئيس وحكومته أن يعملوا على معالجة أخطاء وكوارث الماضى وتهيئة بيئة صالحة لبناء مؤسسات أكثر رسوخا وثباتا وخلق بنية تحتية لاقتصاد قوى يضع مصالح الوطن والمواطن نصب عينيه. وقبل ذلك كله كان لابد من كشف حساب للتركة التى ورثها الرئيس ومصارحة الشعب.
لم تكن المعارضة فى المقابل ملائكية وبعيدة عن ممارسة الأخطاء المتكررة أيضا. وحين أتكلم عن المعارضة هنا أقصد جبهة الإنقاذ التى تضم غالبية الأحزاب المناوئة للسلطة. لقد انشغلت جبهة الإنقاذ بإسقاط الإخوان ونظام حكمهم على مدار الفترة الماضية أكثر من انشغالهم بتقديم حلول إبداعية لمشكلات المواطن. وصرفت طاقاتها فى عقد المؤتمرات الصحفية لتعلن انتهاج سياسة هدم النظام الحاكم والتخلص من استبداده وهيمنته، كما يدّعون، بنبرة تصعيدية فيها تحد للرئيس، ولما يقارب 13.5 مليون مناصر له أكثر من اعتمادها لمبدأ البناء والتنمية والعمل سويا مع الرئاسة للنهوض بالدولة. أخطأت جبهة الإنقاذ أكثر من مرة فى عدم تلبية دعوة الحوار لوضع حد للانهيار الذى تتعرض له البلاد والانفلات الأمنى والفوضى التى عمت محافظات القاهرة والإسكندرية والقناة. من الأخطاء الجسيمة أيضا للمعارضة أنها تأخرت فى إدانة العنف فى الشارع، بل وذهب بعضهم لحد التماس الأعذار لحركة البلاك بلوك المصنفة كحركة إرهابية – حسب توصيف النيابة العامة - ولم تشجبها سريعا فى بيان واضح. كما زادت الأمور تعقيدا بالانسحاب السريع من أى التزامات أخلاقية بوثيقة الأزهر التى تنبذ العنف وترفض التطرف.
بين الرئاسة وجبهة الإنقاذ، هناك لاعب آخر لا يقل خطورة وتأثيرا، إنه الإعلام بكل تشكيلاته المرئية والمسموعة والمقروءة من القنوات والصحف المستقلة والخاصة، لعب الإعلام على مدار الأيام السابقة دورا سالبا فى تأجيج المشاعر وإثارة الفتن والتقليل من إنجازات الرئيس، وبالغ بعض الإعلاميين فى التهويل والتضخيم من أخطاء الرئاسة. ابتعد الإعلام عن خطابه المعتدل وحاد عن المهنية، وانحرف عن كل مواثيق الشرف المعروفة لدرجة أنى بدأت أحدث سوءاً أن الإعلام يصنف القتلى، ويدخلهم الجنة والنار، ويمنحهم صك الشهادة أو ينزعها عنهم حسب الإيديولوجية التى يدين بها مقدمو برامج التوك شو، ومن عجب أن بعضهم كاد أن يصرح أن قتلاهم فى الجنة وقتلانا فى النار.
وفى مكان معزول يجلس الشعب يشاهد هذا الصراع المحموم بين طرفى المعادلة السياسية، يراقب عن كثب التطورات والمستجدات على الساحة، لم يعد قادرا على تحمل الانهيار الاقتصادى ومحاربته فى لقمة عيشه، لم يعد يحتمل الصبر على الانفلات الأمنى والأخلاقى فى الشارع. باختصار الجميع مذنب والكل مخطئ، وتتم حاليا عملية نوعية من تصفية الخلافات والثأر على حساب الوطن، واهم من ظن أن الجيش سينقلب على الشرعية إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة وزاد العنف والاحتراب الداخلى. فالجيش مهمته الآن حماية البلاد والشرعية الدستورية. واهم من ظن أن الشعب سيختاره على طول المدى إذا ثبت فشله، وعدم قدرته على الإمساك بزمام الأمور وإنعاش الاقتصاد وإقرار الأمن. واهم من تخيل أنه لن يحاسب على جرائم القتل والحرق والتخريب التى يقترفها وبث الفتنة ونشر الشائعات وترويج الأكاذيب باسم الحرية حتى لو تأخر الحساب قليلا. أفيقوا يرحمكم الله فمصر تحتاج لنا جميعا إذا كنا فعلا نحبها أكثر من حبنا لقطعة الكيك المسممة بدماء الشهداء والقتلى.
صورة أرشيفية