خالد صلاح

يوسف عوف

الحوار الوطنى على هدى الإسلام

الجمعة، 01 فبراير 2013 02:55 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا حديث فى مصر إلا عن الحوار، وبالرغم من أننا كمجتمع مصرى، أبعد ما نكون عن الممارسة الصحيحة للحوار لأسباب ظاهرة، وبالرغم من أن الكلمة ــ الحوار ــ كادت أن تفقد معناها من فرط استخدامها، فإن الحاجة لا تزال، وستظل، ماسة إلى الحوار.

وفى خضم الأحداث الملتهبة التى تشهدها مصر منذ الجمعة 25/1/2013، فقد دعى رئيس الجمهورية ــ فى خطابه ليلة الأحد ــ إلى إجراء حوار وطنى، وقد ردت جبهة الإنقاذ المعارضة برفض هذه الدعوة بناء على أسباب متعددة كان أهمها أنه لا توجد ضمانات لتنفيذ ما سيسفر عنه ذلك الحوار من نتائج أو توصيات.

هذا الذى تشترطه جبهة الإنقاذ الوطنى ــ تنفيذ ما سيسفر عنه الحوار ــ له أصل فى الشرع الإسلامى، تحت عنوان "الشورى"، ولعل من المناسب فى هذا المقام التعرض له.

لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التى ناقشت موضوع نظام الحكم فى الإسلام من الحديث عن مسألة الشورى هذه. والحديث بالأساس يدور حول نقطتين جوهريتين هما؛ هل الشورى واجبة أم مندوب إليها، والنقطة الثانية هى ما إذا كانت الشورى مُلزمَة أم مُعْلِمة.

وعن النقطة الأولى فالرأى الراجح ــ يكاد يكون إجماعاً ــ أن الشورى واجبة؛ أى أن الحاكم فى الإسلام يتحتم عليه أن يلجأ إلى الشورى، والحوار الوطنى يعد شكلاً من أشكالها، ليستطلع رأى أهل العلم والخبرة والسياسة. أما بيت القصيد، محل النقطة الثانية، فهو عن الرأى الذى تتمخض عنه المشورة، هل هذا الرأى ملزم للحاكم أم لا يعدو أن يكون، بتعبير هذه الأيام، "رأياً استشارياً" أو، بتعبير الفقه الإسلامى، "رأياً مُعْلِماً". ولأن المقام لا يتسع، فالمسألة على تفصيل كبير، فالرأى الراجح، بين الفقهاء والباحثين الإسلاميين، أن الشورى ملزمة للحاكم بما معناه أن الرأى الذى ينتج عن "التشاور" أو"الحوار" هو رأى ملزم للحاكم يتعين عليه أن ينفذه، سواء كان الرأى بإجماع المستطلع رأيهم أو بأغلبية أرائهم.

حجج وأسانيد كثيرة قيلت فى تدعيم الرأى السابق (أن الشورى ملزمة للحاكم)، غير أنه لا مجال لسرد تلك الحجج فى هذه المساحة المحدودة، ونكتفى هنا بالقول أن ممن أيّدوا هذا الرأى شيخ الأزهر الأسبق الإمام محمود شلتوت فى كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة"، والأستاذ عبد القادر عودة فى كتابه "الإسلام وأوضاعنا السياسية"، وأيضاً فقد نقل الأستاذ محمد رشيد رضا، فى معرض تأييده لذات الرأى، عن شيخه الإمام محمد عبده قوله: "إن الجمهور أبعد عن الخطأ من الفرد فى الأكثر، والخطر على الأمة فى تفويض أمرها إلى الرجل الواحد أشد وأكبر.. فكان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه.. ويرجع عن رأيه إلى رأيهم". وأخيراً نشير إلى أن رأى الإمام محمد عبده هذا ورد ذكره فى الكتاب المهم للدكتور محمد سليم العوا ــ الذى يؤيد بدوره الرأى ذاته ــ المعنون "فى النظام السياسى للدولة الإسلامية".
فى تقديرى أننا أحوج ما نكون إلى تبنى هذا المنهج الإسلامى العظيم المتمثل فى أن الشورى، فيما ينتج عنها من رأى، ملزم للحاكم، وفى تطبيق هذا المنهج فوائد وإيجابيات كثيرة أرى منها ما يلى: أولاً أن تبنى ذلك المنهج يعد تطبيقا لأحد الجوانب الأساسية فى الشريعة الإسلامية والتى يغفل عنها الكثيرون ممن يختزلون الإسلام فى جوانبه "القانونية" فحسب؛ ذلك أن الشورى، بمفهومها الإسلامى، وكإحدى أركان نظام الحكم فى الإسلام، هى أفضل ضمانة لمنع الدكتاتورية والاستبداد بالرأى، وهو ما يمهد الطريق لمشاركة اجتماعية وسياسية حقيقية.

ثانياً، وبالاقتراب أكثر من واقعنا فى مصر، فإن تطبيق هذا النهج الإسلامى على ما يجرى من حوار وطنى برعاية رئاسة الجمهورية سيكون من شأنه التخفيف، إلى حد بعيد، من حالة الاحتقان السياسى القائمة فى البلاد ومن ثمّ فتح الطريق أمام حلٍ سياسى تشاركى تخرج به البلاد من أزمتها حيث سيشعر المشتركون فى الحوار بجدواه وأن ما سيتمخض عنه هو محل احترام من السلطة الحاكمة.

إضافة لما تقدم فإن تبنى وتطبيق، هذا النهج من قبل رئيس الجمهورية شخصياً سيؤدى، من ناحية، إلى تبديد مخاوف حقيقية لدى غالبية القوى السياسية فى مصر، وتتمثل هذه المخاوف فى أن رئيس الجمهورية، ومن خلفه جماعة الإخوان المسلمين، يريدان الاستئثار بالسلطة فى وقت لا يصح الانفراد بهذه الأخيرة إذ نحن بحاجة ماسة إلى "المشاركة لا المغالبة".

ومن ناحية أخرى سيؤدى ذلك إلى توزيع المسئولية على أطراف العملية السياسية فى مصر جميعهم، وهو بدوره ما يضمن "تشاركية حقيقية فى الحكم" تمكن رئيس الجمهورية من "احتواء" الجميع تحت مظلة السلطة الحاكمة.

إن حواراً حقيقياً جامعاً، لا إقصاء فيه لأحد، ينبنى على تفهم الأطراف لمواقف بعضها البعض، مع رغبة الجميع فى البحث عن البدائل، والقدرة على التفاوض ــ إن حواراً كهذا جدير أن "يُنَفّذ" ما ينتج عنه من رأى، وهو ما يعد، فى ظنى، الطريق المثلى للخروج بمصر من أزماتها.

* حاصل على شهادة هيوبرت همفرى فى العلوم السياسية والقانون الدستورى - كلية واشنطن للقانون بالولايات المتحدة

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


التعليقات 2

عدد الردود 0

بواسطة:

mohamad Solian

يا تجار الدين ارحموا مصر وارحمونا يرحمكم الله...

يا تجار الدين ارحموا مصر وارحمونا يرحمكم الله...

عدد الردود 0

بواسطة:

هبه البدري

مقال اكتر من رائع

لا فُض فُوك

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة