يا له من قدر ذلك الذى جعلنا نتقابل مرة أخرى فى مثل هذه الظروف!!.. إنها لحظة أحر من يوم الفراق وأثقل من رقيب بين صديقين.. فما إن وقعت عينى فى عينها حتى نزل بى جرح قديم أليم يتعلق بعشقنا المجنى عليه وأنا على يقين انها تشعر بمثل ما أشعر به.
وقفت صامتة ومدت يدها فى فتور لتسلم علىّ ومددت يدى أنا أيضاً وأحسست بروحى قد بلغت التراقى وحانت لحظة الرحيل عن الدنيا.. وما إن وضعت يدى فى يدها حتى ساءنى ما كان من أمرها وتساقطت نفسى غماً وآسفاً.
آآه.. كيف لشخص مثلى يمكنه أن ينسى ما كانت عليه هذه العجوز فى صدر أيامها وحداثة سنها.. ما زلت أتذكرها كيف كانت أشبه بحورية من حور الجنان بل لا أكون مبالغاً إذا قلت أنها كانت الحسن نفسه تأسر القلوب، وتشغل العيون فكانت فتّانة المحاسن.. هيفاء القوام.. حوراء العينين.. والآن اختفى كل ذلك وأصبحت الجميلة شيئا آخر.. أقرب إلى الجماد..!!
_ هتفضل ماسك إيدى كتير كده؟؟ قالتها وهى مبتسمة ابتسامة كشفت عن شفتين ضامرتين استوطنتهما التجاعيد..
_ آنا آسف وانتى عاملة ايه دلوقتى؟؟
قالت ووجهها فى الأرض
_ اسأل الزمن؟؟
ورأيتها قد تبين الأسى فى وجهها وأبصرتها كأنها تتجرع غُصص الكرب وحاولت مواساتها لكنها بادرتى بصوت متهدج..
_ استأذن لازم امشى!
وقفت لا أستطيع الحراك ولا الكلام لكننى شعرت كأن الخوف من رؤيتها على هذه الصورة قد هتك قميص قلبها وقد أفقت عليها وأنا أرى امتقاع وجهها.. لكن ما عساى أن أفعل سوى أن أقف كعصفور جازع لا يقدر على الطيران؟
مرت لحظات عصيبة أنظر إليها وهى تبعد عنى بخطوات مهلهلة.. لحظات مريرة لم أستطع فيها الكلام وقد اعُتقل لسانى وتلجلج منطقه وخذلنى عقلى فى التكفير بحيلة تخرجنى وإياها من هذا المنزلق الوعر.
لكن ما أدرانى لعلّها أفضل منى إحساساً، وذلك الذى جعلها تمضى مسرعة خوفاً على مشاعرى فأنا أيضا لا اختلف عنها شيئا فكلانا اشتعل رأسه شيباً وبلغ من الكبر عتياً!.
صورة ارشيفية