بعد أن أنجزت لجنة الخمسين عملها ودعا الرئيس المؤقت عدلى منصور الناخبين للاستفتاء على دستور مصر الجديد، والذى يعد دستورها الثانى فى أقل من عامين، تباينت ردود الأفعال، فقد أكد السيد عمرو موسى رئيس اللجنة فى وقت سابق أن هذا الدستور يستجيب لمتطلبات القرن الـ٢١، وأنه يشتمل بوضوح على أساسيات الديمقراطية والحريات، فى حين أننى غير متأكد مما يعنى "موسى" حين يتحدث عن "متطلبات القرن الـ٢١"، إلا أننا نتساءل هنا سؤالا أكثر جوهرية: ما هى أهمية الدستور فى المرحلة الحالية؟
يجب أن نشير إلى أن الدستور المقترح تم وضعه بالأساس ليكون بمثابة تغيير شامل عن سابقه الذى تمت صياغته فى عهد الرئيس محمد مرسى، وكان ينظر لدستور ٢٠١٢ أنه دستور حاول إصباغ الشريعة الإسلامية فى أجزاء منه، وكذلك كبح الحريات بعض الشىء، لكن يجب علينا ألا ننسى أن معظم الدساتير المصرية السابقة بنيت على فرضية الفصل بين الدين والدولة، وبينما أن تلك الدساتير السابقة قد تختلف فى الميول الاشتراكية أو الرأسمالية، إلا أن بعض منها، ولاسيما دستور ١٩٢٣، قدموا ضمانات لحقوق الإنسان والحريات بشكل عام.
يجب أيضا أن تتذكر أن الدافع الرئيسى لهذا التغيير الذى اجتاح مصر فى السنوات الماضية كان بغرض تحقيق ظروف معيشية أفضل؛ الأمر الذى لا يمكن تحقيقه فقط من خلال الدستور، وفكرة التغيير تحولت بسرعة إلى صراع على الهوية المصرية، وربما كان هذا الصراع فى حد ذاته دافع غير معلن وراء التغيير فى المقام الأول، لذا تبقى المفارقة أن بلدا يكافح لتلبية الاحتياجات الأساسية قرر أن يضيع سنوات قليلة فى إعادة تعريف هويته، نعم إن الدستور هو المدخل الأساسى لكل الحريات لكنه ليس المقصد والمنتهى.
وبالنظر للدستور الحالى، نجد بعض المواد سيئة الصياغة، ولاسيما المواد التى تربط النفقات مثل الرعاية الصحية والبحث العلمى بالناتج المحلى، وهو تصور فريد من نوعه من حيث الغرابة، حيث كان يفترض ربط ذلك بميزانية الدولة! وأيضا تدخل الدستور فى آليات مثل الضرائب وابتعد عن أساسيات مثل النظم الانتخابية، وبرغم ذلك فقد حقق الدستور المقترح هدفه عن طريق تحقيق شبه توافق مجتمعى حوله، والدستور المقترح أيضا لا يتعارض بشكل صارخ مع اقتصاديات السوق الحر، وهو ما يجب الحفاظ عليه فى مصر لتحقيق النمو الاقتصادى المنشود.
ومن المتوقع إلى حد كبير حصول الدستور المقترح الذى سيتم طرحه قريبا للاستفتاء على موافقة الجمهور، وهذا التوافق، إن تم، سوف يقوم بخدمة أغراض عديدة، فهو من ناحية سيعطى الموافقة على الدستور الحالى وسيكون أيضا بمثابة تصويت رمزى على ثقة الجماهير فى المرحلة الانتقالية الحالية وتوافقهم عليها ومن ثم فستكتسب شرعية مؤكدة، ولكن مع الأسف أيضاً سيؤكد هذا التصويت أن السنوات الثلاث الماضية كانت مشوار طويل وتجرية تعليمية باهظة التكاليف خاضتها البلاد من أجل الوصول إلى هذه الحظة الراهنة.
يقول البعض أن دستور ١٩٧١ مع بعض التعديلات أفضل بكثير من دستور ٢٠١٢، وكذلك مشروع الدستور الحالى، وربما يتفق البعض مع السيد عمرو موسى بأن هذا الدستور يلبى متطلبات القرن الـ٢١ أى كان يعنى هذا التعبير! ولكن كل هذا كلام لا يتعدى حدود الجدال فى نهاية المطاف، وكما قال بنجامين فرانكلين ذات مرة أن: "الدستور يعطى الناس فقط الحق فى تحقيق السعادة، لكن عليك تحقيق ذلك بنفسك"، والاختبار الحقيقى لأى دستور يكمن فى الكيفية التى سيتم من خلالها تنفيذه، وكيف تسفر القوانين التى تتبعه عن تحسن فى الحريات ورخاء فى سبل الحياة للمواطنين، والأمانة تقتضى علينا أن نعترف بأن تاريخ مصر المعاصر لم يقدم عمليا أى ضمان بأن التحسينات الدستورية، سوف تحقق أى من هذه الأهداف المعلنة، لكننا كسابق عادتنا نجد نفسنا فى موقف لا نستطيع الفرار منه فى ظل غياب البدائل المتاحة، فنحن الآن نواجه أحد هذه المواقف: إما الدستور وإما المجهول..