قد تتفق معى عزيزي القارئ فى أن "القيادة" لا تنطبق لفظًا ولا فعلاً على الكثير ممن يشغلون الكثير من المناصب القيادية، فعلم الجينات أو كما يطلقون عليه علم "الوراثة" أثبت أن القيادة جين متوارث فهو لا يسرى بالضرورة فى دماء الكثيرين، مهما وصلوا لأعلى الدرجات العلمية لكنهم للأسف لا يحملون جين القيادة، ومن هنا يبدأ وضوح الصورة لما يحدث على الساحة فى مصر من ضبابية بسبب قيادات العمل، فللأسف ليس كل صاحب سلطة أو قائد عمل يتحقق فيه لقب القائد فكلمة قائد من وجهة نظري تتحقق عندما يكون فى استطاعة الشخص اتخاذ قرار "فى هذا القرار أكبر نسبة إصابة، وأقل نسبة خسائر، فى أقصر وقت ممكن" وقس على هذا النموذج جميع مناحي الحياة إذن أهم صفة من صفات القائد أن يكون "صاحب قرار" ولكن للأسف هذه الصفة لا تتوفر عند الكثير، ولهذا تجد الناس وبالفطرة عندما يجدوا "صاحب القرار" فإنهم يلتفوا حوله لثقتهم أولاً أنه من القوة والحصافة التى تجعله يتخذ القرار، آملين فيه أن يكون لهم المخلص من معظم مشاكل حياتهم، حيث تتوقف حياة البعض على مجرد توقيع من صاحب قرار أقول ما سبق عندما شاهدت ما يعانيه المواطنون خاصة فى أيامنا هذه من حالات تكاد تصيب العمل فى كبرى الوزارات الخدمية فى مصر بالشلل بسبب "الروتين المميت" حيث توقف معظم رؤساء المصالح عن اتخاذ القرارات إما لأنه ليس بصاحب قرار أصلاً أو لأنه متخوف من الضبابية التى يصنعها هو وغيره للمستقبل القريب، وتحول السواد الأعظم من رؤساء المصالح ومديرى الخدمات إلى عملية الدفع الذاتى واستكانوا فى مكاتبهم، وبالطبع أمام كل واحد منهم "نتيجة العام" ذات الأوراق المتراصة وما عليه سوى القيام بقطع الورقة اليومية ليحمد الله على أن هذا اليوم مر بسلام دون أن يدنوا به من ليمان طرة.
أيها الأعزاء ما يحدث اليوم من تخاذل فى اتخاذ القرارات لن يدفع بعملية التنمية ولن يساعد فى بناء وطن قاوم أهله الركود العام بثورتين شهد لهما العالم، وكان من أهم أسباب الثورة هذا الروتين القاتل لأحلام وآمال المواطن والذى أودى بالحياة فى مصر لدرجة التخلف عن ركب الحضارة والانطلاقة إلى الأفق الرحب فى عالم يحترم الوقت ويقدر السرعة لدرجة تسميته بها ليكون "عصر السرعة" كما يتندر البعض، فقد جلسنا نجتر الذكريات الغابرة بأننا أقدم الأمم وأعرقها عبر التاريخ وصنع أجدادنا الكثير والكثير، ولكن لم يذهب ذهن البعض منا بسؤال لأنفسنا، ماذا صنعنا نحن لنستحق أن نرث هذا العبق التاريخي العظيم؟ فمصر الآن تحتاج من أبنائها أن يكونوا عند حسن ظنها وتاريخها، تريد من أبنائها انطلاقة للأمام من أصحاب القرارات فالمرتعش لا يقرر كما أن الملتفت لا يصل.
صالح المسعودى يكتب: أزمة القيادة وبناء الدولة
الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013 12:09 م
صورة أرشيفية