برزت شخصية الطاغية فى حياة الأمة العربية بصورة كبيرة، لكنها على النقيض تماماً لم تجد من يتناولها بذات القدر فى الأدب العربى، الذى وقف عاجزاً أمام استلهام تلك الشخصية، رغم أن الكتابة عن المستبد تزدهر فى عصر الطغيان نفسه، وعلى العكس تماماً نجد الغرب الذى تفوق فى معالجة هذا الأمر بمنتهى الجرأة لدرجة خلدت مبدعيه.
فى البداية يقول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، لقد كتبت قصيدة عن بغداد عام 2003 بعد حرب العراق وقُمت بنشرها فى ديوان "موسيقى الأحلام". وكذلك هناك بعض القصائد مثل "غائبة كأنها الحرية وشتاء العروبة".
وأكد أبو سنة، أن مواجهة الشعر والشعراء للاستبداد والطغاة تأت دائماً ضمن القصائد التى تتحدث عن الحرية. شخصية الطاغية واضحة جداً فى الشعر والنثر منذ أكثر من 60 عاماً، خاصة فى نطاق قضايا الحرية والدعوة إلى الديمقراطية والتحرر الوطنى، ولاسيما أن الأوطان العربية مرت بمراحل الاستعمار والاحتلال، وكانت هناك مطالبات بمظاهرات ووقفات للنضال ضد المحتل، وبعد تحرير الوطن من المستبدين والطغاة.
من ناحية أخرى قال الراوئى عبد الوهاب الأسوانى، لقد تناولت الطاغية بطريقة رمزية، ولاسيما أنها ظاهرة متكررة خاصة للحكام الذين حكموا بلادنا بطريقة متخلفة، فالرقابة لدينا لا تسمح بالتناول بنفس طريقة خريف البطريرك، فمن الأشياء العظيمة فى أمريكا اللاتينية أن الأدباء يُسجنون وفى الوقت نفسه توزع أعمالهم بينما يسجن الأديب ويصُادر كتابه لدينا، وقد قرأت حواراً مطولاً عن هذا الشأن مع الأديب العالمى "ماريو فاغاس يوسا" الحائز على نوبل فى الأدب عام 2010.
وأضاف الأسوانى من سيتناول الطاغية فى المستقبل لابد أن تخلو بلده من هذه الشخصية، لأنه حتى إذا تناول الطاغية وهو فى بلد آخر سوف يعُامل باعتباره يتحدث عن رئيسه، لا توجد دايمقراطية حقيقية فى البلاد العربية، باستثناء لبنان فقد صنعت الطائفية بها نوعا من الديمقراطية، كون كل فئة تسعى للحصول على حقها. لدينا لأول مرة ثورة عظيمة يقوم بها الشعب، ولكننا مع هذا نرى معاكسات لا نعرف نتيجتها لاحقاً.
من جانبها ترى الكاتبة والمترجمة سهير المصادفة، أن الأدب العربى لم يتناول أحداثه الكبرى أو حكامه وملوكه من الديكتاتوريين بشكل أدبى مثير ومتطور إبداعيا، قائلة "أتصور أن الأدب العربى يمر بأزمة كبيرة فى هذا المضمار".
وأوضحت المصادفة، أن ما يكُتب بشكل يعُتد به فى هذا المجال نجده بوضوح فى الأدب العالمى "حفلة التيس" للأديب العالمى يوسا و"خريف البطريرك" لجابريل ماركيز وأعمال عديدة فى أمريكا اللاتينية، تناولت الطغاة بشكل يستطيع أن يصمد إبداعياً.
وأضافت "المصادفة" ربما الأعمال المتواضعة القيمة لدينا لايعتُد بها لعدة أسباب منها المطاردة والمراقبة، أو أنها تحتاج إلى رعاية خاصة ودأب وتفرغ لجمع المادة لكى تكُتب مستندة إلى تاريخ وبحث أكاديمى وعلمى فيتحول إلى إبداع. وحتى نرى عملا قويا فى هذا الإطار لابد من رعاية المبدع، يتفرغ بشكل حقيقى وليس مزيفاً. فالكاتب العربى يكاد يكون بلا رعاية، يكتب وحده فى العراء دون تعاطف أى مؤسسة معه، فكيف نريدة أن يكتب بحجم المبدع الأجنبى.
وأضافت المصادفة، لقد تناولت فى رواياتى الثلاثة الطغاة بشكل عام والمسئولين عن مقدرات الشعوب التعيسة التى لم تمُنح شيئاً، لكن الطغاة بشكل عام سوف يتناثرون فى الأدب العربى هنا وهناك بشكل فيه قدر من عمل حساب الرقابة، كما أننا أصبح لدينا بعد ثورتين عارمتين الحرية لقول ما نريد.
يتفق الروائى سعد القرش مع المصادفة، مؤكداً أن "خريف البطريريك" لو لم يكتب ماركيز غيرها لكانت جديرة أن تخلده فى تاريخ الأدب، فقد سجلت أعلى نقطة لتجسيد شخصية الديكتاتور، لم يوازيها شخصية أخرى فى الأدب العربى الذى مازال عاجزاً عن تناول ومعالجة الطاغية عموماً، فى حين يوجد طغاة فى الحضارة العربية والإسلامية تمثل سيرهم الذاتية شيئاً شديد الأهمية إذا عولجت فى أعمال إبداعية، كونهم يمثلون شخصيات درامية بامتياز مثل شخصية عبد الملك ابن مروان والمأمون وغيرهم، وربما كان بهم جانب خير وبدأو كالفقهاء الزاهدين فى الدنيا ولكن بمجرد أن جاءت إليهم السلطة بشكل تلقائى دون أن يسعوا هم إليها، أصبحوا طغاة على درجة لم يتصورهم أحد من قبل، كان عبد الملك شديد الورع، مقيما بصورة شبة دائمة فى المسجد، يرفض المشاركة فى حرب عبد اهل ابن الزبير، عندما مات والده فى الشام قُيل له لقد تم اختيارك أميراً للمؤمنين، فأغلق المصحف وقال هذا آخر عهدنا بك، ثم أمر بجيش لمحاربة عبد الله ابن الزبير، وتم قتله وقصف الكعبة، هذا نموذج يجب أن يكُتب، والأدب العربى مازال قاصراً فى استلهام شخصية الديكتاتور العربى.
وأضاف القرش لا يوجد رقيب على طباعة الكتب والرويات فى العالم العربى على الإطلاق، ربما توجد رقابة فى بعض المراحل كما حدث مع إدريس على، فقد نشر روايته وصودرت فى عهد القذافى، ولكنها نشُرت مرى أخرى بعد مقتله، ولاقت رواجاً كبيراً، لذا فليس هناك مبرر للتخاذل.
وأشار "القرش" إلى أن قضية الحرية ليس لها علاقة بالكتابة، فالكتابة عن الديكتاتورية تزدهر فى عصر الطغيان نفسه، فما الذى يمنع كاتبا أن يبدع فى عصر مبارك والسادات؟ عملية النشر يمكن أن تحدث خارج البلاد، ربما كان هذا الخوف مستحقاً عند المبدعين العراقيين والسوريين، حيث كانوا بالفعل يُلاحقوا ويتم اغتيالهم أحياناً، ولكن ليس لدى المصريين حجة فى تخاذلهم.