نواصل الحديث عن بعض الأقاويل التى تنتشر بيننا ونتداولها وكأنها حق مطلق، وبرغم أن الكثير من تلك الأشياء لا أساس لها من الصحة، إلا أنها تهيمن على عقول العديد من البشر.
وفى هذا السياق فإننا نأمل أن نقوم بتفنيد تلك الأقاويل بطريقة بناءة بهدف الابتعاد عن تلك الموروثات والتفكير فعليًا فى شيء ذى معنى. سنتناول هذا الأسبوع مقولة قديمة مفادها أن مصر دولة غنية. فما مدى صحة هذه المقولة؟
الأسطورة:
غالبًا ما يزعم العديد من الناس أن مصر دولة غنية بالموارد وبأن الشىء الوحيد الذى يمنعها من الوصول لأهدافها هو إهدار تلك الموارد من قبل حكامها.
الواقع:
فى حين أن هناك العديد من الأدلة التى ترجح حدوث بعض الإهدار للموارد، فهناك أدلة قليلة أو شبه معدومة ترجح امتلاك مصر لموارد كافية لمساعدتها فى تحقيق اكتفاء ذاتى أو تقدم ملموس.
أولاً: بالنظر لبعض الحقائق البسيطة، نجد أن مصر دولة صحراوية ويتم استغلال ٤٪ فقط من مساحتها الكلية فى الزراعة وتزيد معدلات الفقر فى مصر على ٢٦٪ وأكثر من ٧٠٪ من سكان المناطق الريفية يعيشون تحت خط الفقر.
ثانيًا: إذا نظرنا إلى عوامل الدخل الرئيسية من الأنشطة بخلاف حصيلة الضرائب، سنجد أن دخل قناة السويس والسياحة معًا يمكن أن يصلا إلى نحو ٢٠ مليار دولار سنويًا. ولو وضعنا هذا الرقم فى نصابه، نجد أنه يقل عن دخل شركة أبل خلال شهرين!
ثالثًا: بالنسبة للطلب، فإن الدولة مكبلة بالكثافة السكانية المتزايدة والاستهلاك الكاسح، فعلى سبيل المثال يقدر نصيب استهلاك الفرد من القمح حاليًا بحوالى ١٨٢ كيلوجرامًا، فى حين أن معدل استهلاك الفرد من القمح فى عام ١٩٦٠ كان أقل من ١١٠ كيلوجرامات عندما كانت كثافة مصر السكانية تعادل نصف الكثافة السكانية الحالية، وبالنسبة للطاقة، فإن مصر تستورد أيضًا ١٤ مليون طن أو ما يعادل ٤٠% من منتجاتها البترولية والوقود سنويًا، وتواجه مصر ضغوطًا رهيبة حيث إنها تدعم الطاقة بما يزيد على ٢٥٪ من الإنفاق الحكومى، وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية التى تمر بها مصر منذ ٣ سنوات بحثًا عن إصلاح ديمقراطى، إلا أن الدولة غير قادرة على استيعاب المتطلبات المتزايدة.
رابعًا: أن مصر دولة بلا خطة اقتصادية متكاملة، حيث إن البنية الاقتصادية غير متماسكة بما يكفى لتقديم مستويات عالية من الرفاهية للمواطنين المصريين، ويشير مؤشر التنافسية العالمية إلى ضعف أداء مصر فيما يتعلق باستقرار الاقتصاد وكفاءة سوق العمالة، ولهذا طالما أن معظم المصريين لديهم رهبة من استراتيجيات السوق الحر ويعتقدون بأن أفضل طريق لتحقيق رفاهيتهم هو المشاريع الحكومية وسيطرة الدولة على جوانب الاقتصاد، فإن الأمر لن يتغير كثيرًا. وطالما ننظر إلى اقتصاديات السوق الحر على أنها من المحرمات، فإن الاقتصاد المصرى سوف يواصل الهبوط وسوف يعانى المصريون البسطاء من الفقر المدقع.
وخلاصة القول أن مصر دولة فقيرة تعانى من انفجار سكانى وموارد محدودة مقارنة بحجم كثافتها السكانية، وما يزيد الأمور سوءًا هو حالة الإنكار العمدى. إن مجرد الاعتقاد الوهمى بأن مصر دولة غنية الموارد هو أمر ربما كان من الممكن القبول به فى عصور الفراعنة، ولكنها دولة لم ولن تكون قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتى فى معظم احتياجاتها، ولهذا يجب العمل على وضع خطة واضحة. نعم كان هناك فساد وكانت هناك فرص ضائعة كثيرة، لكن الفرص القادمة أكثر، الأمثلة كثيرة فى دول كاليابان وغيرها لا تمتلك أى موارد طبيعية، لكنها بشىء من التنظيم والتفانى فى العمل، استطاعت أن تتقدم وتقفز قفزة نوعية.
الحل هنا هو مجرد إعادة وجهة النظر من التركيز على اقتصاد ريعى معتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد معرفى مبنى على العلم والإنتاج وتشجيع الحلول العصرية واستخدام التقنيات المتطورة. لكن نقطة البداية تكمن فى الاعتراف بأن مصر دولة غنية بأهلها لا بمواردها.