ذلك البرنامج الذى يُسمى (الفائز أبى) كان أحد البرامج الترفيهية التى يبثها التليفزيون المصرى فى فترة ماقبل ثورة يناير, والذى كانت فكرته عبارة عن بعض المنافسات بين مجموعة من الفرق, كل فريق منهم مكون من أب وابنه, والفريق الفائز هو الذى يتمتع بأكبر نسبة توافق وتفاهم بين أعضائه, حيث كان من ضمن المسابقات التى تتم فى البرنامج أن يسأل المذيع الأب عن الأشياء التى يحبها ابنه وكذلك التى لا يحبها, فيكون السؤال مثلاً هل يحب ابنك الشيكولاته أكثر أم المانجو أم الملوخية؟ فيجزم الأب أن الابن يعشق الملوخية, حيث يظل ليل نهار يطلب منه أن يأكلها, وحينما يتم عرض الإجابات على الابن فيفاجئنا و( يفاجئ أباه أيضاً) أنه لا يعلم ماهى الملوخية فى الحقيقة ولم يراها حتى من قبل !!
أتذكر ذلك البرنامج وبالتحديد هذا النمط من الآباء الذين يظنون أنهم يعرفون الكثير عن أبنائهم وهم فى واقع الأمر لا يعلمون أكثر مما يُخيّل لهم أنهم يعملون _ أتذكره _كلما مرت مصر بواقعة سياسية جديدة تجاذب أطرافها الجميع كل من وجهة نظره متخيلاً أنه يعلم كل شىء عن رغبات الباقين وهو لا يعلم منها سوى مايعتقد أنه يعلمه.
فمنذ أيام انتهت لجنة الخمسين من عملها فى تعديل بعض مواد الدستور, والحق يقال إن هذه اللجنة ومن يوم تشكيلها لم تنعم باتفاق اثنين على مالم تصدره بعد من تعديلات فما بالك بما سيصدر عنها بعد التعديل ؟
وبالطبع كانت من أهم المواد المراد تعديلها هى مادة المحاكمات العسكرية للمدنين, والتى كانت قد تٌركت فضفاضة بشكل كبير وتحمل العديد من التأويلات فى الدستور السابق, فتم العمل على توضيح المادة وحصر المحاكمات العسكرية فى بعض الحالات التى فندتها المادة الجديدة واكتفت بتعديلها دون إلغائها وهو ما اعتبره البعض خيانة للثورة وللثوار, وأخذ يكيل الإتهامات للمشاركين فى هذه اللجنة وخصوصاً المحسوبين على القوى الثورية الشبابية.
وبدأت دعوات رفض الدستور فى الظهور مثلما بدأت دعوات التصويت بنعم على الدستور فى الظهور هى الأخرى !
على جانب آخر هناك يومياً وفى كل محافظة من محافظات مصر وقفة احتجاجية لبعض الرافضين لقانون تنظيم التظاهر, وغالباً ماينتهى بتدخل قوات الأمن لفضها بناء على السلطة الممنوحة لها بفضل قانون تنظيم التظاهر الذى يتظاهر ضده المتظاهرون!
وبين هؤلاء وهؤلاء هناك البعض (وربما الأغلب) الذى لم يعبأ بمادة المحاكمات العسكرية, أو قانون التظاهر, أو مشادات النشطاء بين بعضهم البعض, أو بالتخوين والاتهام بالعمالة والتمويل الأحنبى, هو فقط يحاول أن يستفسر عن آخر سعر وصلت له الطماطم, أو متى ستنتهى هذه المظاهرات التى تكدر عليه صفو حياته التى لم يسبق أن كانت صافية يوماً ما ! ولكنه ينتظرها أن تعود على أية حال!
جلست مع والدى ذات ليلة أحاول أن أتحدث معه عن مادة المحاكمات العسكرية التى ستعطى الحق فى محاكمتى عسكرياً إذا ما اعتديت على عامل بنزينة وطنية, وفاجئنى رده حينما قال لى: يعنى هى مصر كلها بقى عندهم عربيات دلوقتى؟! مايموّنوا من أى حتة!
والدى مثل الكثيرين ممن أسعدهم الحظ فتعلموا الواقع من الواقع وعرفوا الحياة بفعل العيش فى الحياة لا على شبكة الإنترنت, والدى مثل الكثيرين الذين لا يملكون حساباً على الفايس بوك, لا يعرفون الخبر وقت حدوثه, ولا يقرأون مليون تحليل للخبر الواحد فى الثانية الواحدة , هؤلاء الكثيرون هم من يصنعون الفارق دائماً, أصواتهم من تصنع الموافقة أو الرفض, وهتافاتهم هى التى تجعل لأية مظاهرة معنى إذ ناديناهم "يا أهالينا انضموا لينا" هؤلاء الذين ما إن تحدثت معهم ستدرك الفارق بين ما تعتقد أنك تعلمه عنهم وبين واقعهم الذى يحيوه.
الثورة لم تنته ولن تنتهى, فالثورة تأخذ أشكالاً كثيرة من بينها العمل على رفع وعى العامة والأغلبية التى دائماً ماتصنع الفارق, العمل على بناء اقتصاد قوى, العمل على إعلاء قيمة العدل إذا ما ضاعت, الثورة لن يوقفها قانون تظاهر أو غيره, ولنتذكر جميعاً أن ثورة يناير قد قامت فى ظل قانون الطوارئ, وحالة الطوارئ, وفى أشد فترات القمع التى ظنّ فيها مبارك ومؤسساته أنهم قد تمكنّوا من مفاصل الدولة وأخضعوها لهم للأبد.
ياعزيزى الثائر الحر الذى يرفض قمع الحريات وإسكات الأصوات الأصوات التى تعلو بالحق لن يوقفها ألف قانون, حتى ولو لم يتمكن مجلس الشعب القادم من تعديله أو إلغائه, وحتى لو فرضنا استمرار القانون على مافيه من عوار كن على يقين أن الثورة حالة من الجنوح لا تخضع لأى قوانين, ولكن عليك أن توقن قبل ذلك أيضاً أن الجهاد ليس كله تظاهر فبعض الجهاد عمل وإلاّ سيكون الفائز فى النهاية أبى!