أكد الأستاذ الدكتور محمد عبدالصمد مهنا، مستشار شيخ الأزهر، أن كلمة "مدنية" لا تعبر عن محتوى قانونى، يمكن الاحتكام عليه فى أى نزاع دستورى، وأنه لا وجود لها فى أى من دساتير دول العالم أجمع.
وقال "عبد الصمد"، فى مقال أرسله لـ"اليوم السابع"، إن لفظ "مدنية" استخدم للمرة الأولى قبل الثورة الفرنسية، وكان هدفه التغطية على التفاوت الاجتماعى بين مختلف الطبقات، الذى نجم عن توغل الرأسمالية إبان فترة الإقطاع.
وأضاف مستشار شيخ الأزهر فى مقاله أن لفظ "مدنية" مرتبط بظروف وثورات الغرب، وحياتهم بشكل عام، لما عانته الدول الغربية قديماً من استبداد وظلم فى ظل الحكم الثيوقراطى الدينى، القائم على عصمة رجال الدين، والإسلام لا يعرف عصمة لغير الأنبياء، لذا من غير المنطقى أن يتضمن دستور ثورة 30 يونيو، لفظ "مدنية".. وفيما يلى نص المقال:
لماذا لا يجب تمرير كلمة "مدنية" فى الدستور؟ لأن ليس لها محتوى قانونى محدد يمكن الاحتكام إليه عند أى نزاع دستورى، ولذلك لا يوجد فى دساتير العالم من ينص على لفظ "مدنية".
ولأن لفظ "مدنية" ليس له إلا مدلولا تاريخيا ارتبط بظروف وتاريخ الغرب، ويدخل ضمن الشعارات التى رفعها وصدرها إلى العالم كله باعتبارها قيم مطلقة يتحتم على كل دول العالم اتباعها، إن أرادت لنفسها الوجود ضمن الدول المتمدنة، فهى أداة للسيطرة الحضارية، ليس إلا، فذكرها فى الدستور تصدير للهزيمة الحضارية.
ولمن لا يعلم فلقد ظهر لفظ "مدنية" فى أول مرة فى عصر الاقتصاديين قبيل الثورة الفرنسية، ثم تطور بعد ذلك وأصبح له مدلول مزدوج:
الأول: التعبير عن درجة معينة من التقدم صاحبت الثورة الصناعية وظهور الطبقة البرجوازية.
الثانى: التعبير عن قيم معينة أنتجها التقدم الصناعى فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كان بعضها لتغطية التفاوت الشديد بين الطبقات الذى نجم عن النظام الرأسمالى، كقيم الفردية "individualism" وقيم التقدم "progre" والقيم الإنسانية "humanism" وقيم العلمانية "laisisme"، وغيرها من القيم التى حرص الغرب على الإلحاح عليها كأداة للسيطرة الحضارية.
وقد أدرجت لفظة "مدنية" لأول مرة فى قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1935 لتكون مرادفا لكلمة الحضارة "civilisation "، باعتبار أن الحضارة الغربية بقيمها المدنية هى النمط الحضارى الوحيد الجدير، بالاتباع والتطبيق على العالم أجمع، وأن الإنسان الغربى هو النموذج الأمثل للإنسانية كلها دون سواه، وأن الدين هو سبب التخلف والإرهاب والوحشية والحروب، بينما تعد قيم الحضارة الغربية التى فصلت فصلا تعسفيا بين الأرض والسماء، أو بين الغيب والشهادة، بل والتضاد بين الدين والدنيا أو الدين والعلم هى وحدها فقط القيم المدنية بوصفها عقيدة العالم الحديث وعدم اتباعها كفر بواح.
فالمدنية لفظ ارتبط بظروف الغرب وثورات الغرب وحياه الغرب الذى عانى من استبداد وظلم الحكم الثيوقراطى الدينى القائم على عصمه رجال الدين، والإسلام لا يعرف العصمة لغير الأنبياء "فكل ابن أدم خطاء وخير الخطاءين التوابون"، أو كما قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام لا يعرف رجالا للدين وإنما علماء للدين.
والإسلام لا يعرف الإكراه فى الدين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، بل سمى الكفر دينا فيما قاله، سبحانه، فى محكم آياته "لكم دينكم ولى دين".
ولأن العبرة ليست بالألفاظ وإنما بالمعانى والمضمون، واستقراء أحكام الدستور خلال أبوابه المختلفة تكفى لإفادة المعنى والمضمون الذى يريده المصريون جميعا من أن الأمة مصدر السلطات، وأن الحقوق والحريات مكفولة للجميع، وأن المساواة وعدم التمييز والمواطنة أساس العلاقات، وهكذا.
فإلى متى نظل نعيش تاريخ غيرنا، وسياسة غيرنا واقتصاد غيرنا وثقافة غيرنا، إلى متى نظل نفكر بعقول الآخرين، وننظر بعيون الآخرين ونسمع بأذان الآخرين ونتكلم بلسان الآخرين، ومن ورائنا وطن لطالما أثخنته الجراح منذ سنوات يستصرخ أهله.. فهل من مجيب؟..
مستشار شيخ الأزهر يكتب: لماذا لا يجب تمرير "مدنية".. اللفظ درج فى ثقافات الغرب الذى عانى الطبقية وتحصين رجال الدين.. والإسلام لا يعرف عصمة لغير الأنبياء.. والنص عليها بالدستور "تصدير للهزيمة الحضارية"
الأحد، 24 نوفمبر 2013 05:53 م
الأستاذ الدكتور محمد عبد الصمد مهنا