نقاش حاد أدى لارتفاع أصوات أصدقائى، لينتصر كل متحدث منهم لرأيه، كما هو عادة المناقشات فى جميع مناحى الحياة المختلفة فى مصر، ولكن هذه المرة شد انتباهى سبب هذا الضجيج، وهذا النقاش فحديث أصدقائى يتعلق بأمر غاية فى الأهمية، وهو (الوطنية)، وهل ماتت فعلا عند الكثير، أم هى فى حالة استرخاء أقرب للنوم، وبطبيعة السن معظم أصدقائى هم من جيل أكتوبر، وما تعنيه هذه الكلمة من معان راقية للوطنية والتضحية، ولأن هذا الجيل مازال يجتر ذكريات الوطنية والفداء التى صارت فى أيامنا هذه جزءا من التراث .
وعجبت لأن سبب نقاش أصدقائى كان مشاهدتهم لأحد الشباب وهو يقوم بالكتابة على جدران المبانى كلمات بعضها يخدش الحياء، وهنا فاجأت أصدقائى بسؤال، ما علاقة الوطنية بالكتابة على الجدران؟ ففوجئت بسيل من الاستهجان ونظرات تحمل فى طياتها الكثير من الاستغراب على مجرد طرحى لمثل هذا السؤال، وبعد ارتفاع أصوات الهمهمة وضرب الأكف على بعضها ليقول لى أحدهم ( اللى يعرف قيمة وطنه ميعملشى كده) لأن الذى يكتب بشكل عشوائى أو لمجرد تشويه الصورة العامة أو يكتب ما يخدش الحياء العام لا يمكن أن يكون مقدر لقيمة وطنه، ليتداخل فى الحوار صديق أخر بقوله ( يا عمى دا ولد وطنيته نايمة فقط أمال من ماتت عنده الوطنية) فقلت له وهل تموت الوطنية؟ قال نعم عندما لا يستحق الشخص أن يكون من نسيج هذا المجتمع، فهو غير مؤهل أن يكون وطنى وعندما يحرق أحدهم رمز وطنه ( علم مصر) فقد ماتت الوطنية لديه، ولا يستحق أن يكون من أهل هذا الوطن، وعندما يتاجر البعض فى قوت الناس بشكل يضر الاقتصاد، ويهدف فقط لمضاعفة أرباحه على حساب أبناء وطنه، فقد ماتت الوطنية عنده، ثم التفت لى صديقى المتحدث، وقال هل أزيدك من تلك النوعيات التى لا تستحق أن تحمل جنسية هذا الوطن؟ قلت له يكفى يا صديقى ولكن يجب أن نبحث جميعا عن علاج لمن ( نامت ) الوطنية عندهم، قبل أن تموت يجب أن ننقذ ما يمكن إنقاذه يجب أن نعمل على توعية شبابنا الذى تربى فى زمن غير زمانكم، فقد عاصرتم الحروب والأزمات التى مرت بها مصر، مما كان له عظيم الأثر فى صقل الوطنية، وروح الفداء لديكم، ولكن هذا الجيل لم يعان مثل ما عانيتم ولم يجد من يشركه المشاركة الفعالة فى بناء هذا الوطن، فلو اشترك فى البناء لأحس بقيمة كل حجر يوضع ليعلوا بالمبنى، لا أن يكتب عليه الكلمات المسيئة لأنه سوف يحس أن هذا المبنى ملكه، فلن تروه يصنع ما يصنع الآن بل سوف تشاهدوه وهو يمنع ويتصدى بكل جراءة وشجاعة لكل من تسول له نفسه بأن يسئ أو يشوه الشكل العام، سوف يتحول هذا الشاب لفاعل فى المجتمع، وبهذا سوف نوقظ الوطنية النائمة عند الكثير، فيجب علينا يا أصدقائى أن نجد سبلا أخرى لشباب اليوم ليشاركوا فى بناء الوطن، بدلا من كيل الاتهامات لهم على سوء صنيعهم.
فمصر تحتاج الآن يا أصدقائى لكل يد تبنى ولكل فكر يرتقى بمستقبل هذا الوطن الذى عانى الكثير، وآن الأوان أن ينطلق ليتبوأ المكانة الطبيعية التى طالما حافظ عليها عبر العصور .
صورة أرشيفية