
هذه دولة لا تحترم شعبها فقط، بل تحترم شعوب العالم أجمع، هذه دولة تحفظ للأجيال فى كل أنحاء العالم، تاريخها، وتصونه، وتفرج عنه، عملا بحق هذه الأجيال فى الاطلاع على تاريخها ومعرفة أسراره، هذه الدولة التى أتحدث عنها هى الولايات المتحدة الأمريكية، وليست مصر للأسف، هى الدولة التى تحتفظ وثائق جهاز مخابراتها «سى آى إيه» بتاريخ بلاد العالم، وهى الوثائق التى تنشرها صحفنا منذ أيام، وتخص الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وحرب أكتوبر، وحركات التمرد التى جرت بحسب الوثيقة، فى الجيش المصرى خلال السبعينيات.
أين يمكن أن نقرأ هذا التاريخ؟ أين يمكن أن نجد فى مصر وثائق «أكيدة» وليست كاذبة، تحكى حكايات تمرد وقعت داخل الجيش المصرى فى فترة من الفترات، و«هو الكلام دا بيتكتب فى التاريخ يا أستاذ» هذه العبارة لقارئ يتهكم من الفكرة التى أكتبها، حقا، لماذا لا نكتب تاريخنا بكل صدق، لماذا نتجاهل فى تكبر أجيالا كثيرة من حقها أن تعرف، وتتعلم، لماذا هذا الاستخفاف بعقول المصريين، والتهكم على حقهم فى المعرفة، لماذا نعرف تاريخنا، من وثيقة للمخابرات الأمريكية، تحمل تاريخ 1 يونيو 1976، هذه هى الوثيقة التى تروى رواية شيقة، عن ضباط بالجيش المصرى، حاولوا التمرد على الرئيس السادات، لكن الأخير نجح فى احتواء التمرد، وإبعاد 50 ضابطا من الضباط، الذين دبروا التمرد، وفصلهم، واعتقالهم.
المثير فى هذه القصة، أن القوات المسلحة المصرية، تعمل جنبا إلى جانب المؤرخين، فى توثيق تاريخها، على غرار ما فعلته الشؤون المعنوية، فى توثيق أحداث العام المنقضى، الذى حكم فيه الإخوان مصر، والذى انتهى باندلاع ثورة شعبية عارمة، انحازت فيها القوات المسلحة للمصريين، وتدخلت بعزل مرسى، وثقت الشؤون المعنوية أحداث العام، بفيديو، عرضت فيه لمقاطع مختلفة من أحداث العام، تضمن دعوة الفريق أول عبدالفتاح السيسى لفتح حوار وطنى مع القوى السياسية، لإنهاء أزمة الإعلان الدستورى فى ديسمبر، وانتهى الفيديو بواقعة عزل مرسى، فى الثالث من يوليو، كما تضمن الفيديو تهديدات الإخوان، للراغبين فى إزاحة مرسى وغيرها من الأحداث.
إذن، فنحن قادرون على أن نوثق بأنفسنا تاريخنا، وقادرون على أن نكتب هذا التاريخ، ونحفظه للأجيال القادمة، فماذا ينقصنا؟
فى الواقع ينقصنا عنصرين، أولهما احترام فكرة التوثيق نفسها، احترام آلية حفظ وقائع ما جرى، للمصريين، والعنصر الثانى، يتمثل فى فكرة الأمانة والمصارحة، أمانة الاحتفاظ بالتاريخ، ونقله، والقدرة على المصارحة بعيوبنا، وأسباب السقوط، هى فى النهاية ستكون دروسا نتعلم منها كيف نشق طريقنا نحو العلو، والانتصار، نحن لن نتعلم من تاريخنا، إلا إذا احتفظنا به حقا، وليس بالوقائع الهامشية، المعروفة، التى ليس لها قيمة، نظرا لتداولها على نطاق واسع، أو نظرا لضآلة ما تتعرض له من دور مؤثر فى حياتنا.
وفى النهاية يبقى أهم سؤال، هل واقعة التمرد التى كشفتها وثيقة المخابرات الأمريكية صادقة، وحقيقية، لماذا لم نسمع، رداً على ما تم نشره فى هذا الصدد؟ لماذا لم تبادر الأجهزة المعنية، بمواجهتنا بحقيقة ما حدث فى هذا الصدد؟ هل هذه الرواية كاذبة؟ هل هى صادقة؟ من يجيب؟ ولماذا نترك أجهزة مخابرات الدول الأخرى توثق لوقائع «التمرد» داخل الجيش المصرى؟ هل نضطر لتصديق روايات جهاز المخابرات الأمريكى عن جيشنا مادام هناك صمت من جانبنا إزاء هذه الروايات المتناثرة، التى لا يوجد رابط لها إلا فى «أضابير أجهزة المخابرات الأمريكية» التى تحترم عقول شعبها، وتفرج عن تاريخه، فى الوقت المناسب، حسب قانون حرية المعلومات الأمريكى، «FOIA» الذى يتيح الكشف عن وثائق أجهزة المخابرات وأسرارها، وهو قانون فيدرالى ينص بصورة عامة على أن لكل فرد الحق فى طلب الوصول إلى سجلات الوكالة الفيدرالية، فيما عدا حدود السجلات المحمية من الكشف، الواقعة ضمن الإعفاءات التسعة الواردة فى القانون أو ضمن أى من الاستثناءات الثلاثة الخاصة بسجل تنفيذ القانون، هل نجد قريبا فى مصر قانونا يتيح للصحفيين والباحثين والمؤرخين الوصول إلى سجلات القوات المسلحة، وملفات المخابرات العامة، وغيرها من المعلومات الضرورية، وقبل ذلك، هل الوقائع محفوظة ومسجلة للأجيال القادمة، أم لا؟ ومن يملك شجاعة الإفراج عن هذا التاريخ وإتاحته للمصريين ليعرفوا حقيقة ما جرى؟