"إلا الثورة على جثتنا" قصة قصيرة لأحمد سعيد

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2013 06:08 م
"إلا الثورة على جثتنا" قصة قصيرة لأحمد سعيد أحداث محمد محمود- أرشيفية

لم يلامس ظهره وجه السرير المنزلى منذ قرابة أسابيع من الاعتصام فى الشارع، لم تعرف عينه لمدة طويلة طعم الأحلام البيتية، ولكن النوم كعادته لا يأتى سريعاً، فقد تعود على أن ينام وعينه مفتوحة أو يغلق عينه وأذنه منتبها وذهنه شاردا مشتعلا بالقلق والأفكار والنوم يستعمى عن عنوان جفونه.

أغلق عينيه بعدما سند رأسه على "مخدة" مريحة وتذكر أن بدلاً منها كانت بطانية، لو كان محظوظا فى تلك الليلة أو نعليه لو اضطر الأمر إلى ذلك أو زجاجة بلاستيكية على أسوأ حال، ولكنه تذكر أنه كان سعيداً بهذا الحال وترتفع سعادته ومعنويته كلما ارتفعت مشقته ومعاناته.

وجال بباله نظرات رفقائه فى الميدان وهو يودعهم ويعلن لهم أنه سوف يعتصم من اليوم فى البيت، وسط ضحكاتهم، ووعدهم أنه سوف يمر عليهم من حين إلى آخر.

خطفه شبح النوم واستيقظ سريعاً وأحس أن هذا الوقت الطويل من النوم كان طويلاً فقط على انعكاس ظلال ضوء الشمس وعقارب الساعة، ولكن كان له وكأنه أغمض عينيه وانفرجت منه، وفاق رامياً جسده فى الهواء مسرعاً كأنه كان يغرق فى السرير، نظر حوله فاستغرب المكان بشدة فهو ليس بخيمة، وسرعان ما تذكر أن هذه هى ملامح حجرته فى بيته.

لم يستطيع كثيراً مقاومة الرغبة فى النزول والتسكع فى الشارع، والنية المبيتة هى الذهاب إلى الميدان.

استغرب كثيراً أشكال الشوارع ودارت بينه وبين نفسه تناقضات ساخرة وحادة، أنتجتها غربة الناس عنه وعنهم، لم يعرف طعم الوطن إلا عندما وقف فجأة ونظر لمشهد صورة متحركة مألوفة يعرفها جيداً.. "مدخل الميدان".

وما كان بداخله يشبه "السنفور" يدخل مدينة السنافر والأقزام، المدينة الساحرة والخضراء الباهرة، ويبحث فى وسط ذلك عن كوخه، وسط الأكواخ المتشابهة التى تغوص فى خضرت الغابات وبين تمايل الورود وأفرع الأشجار المزهرة.

لكن الصورة فى الواقع هو يرقص طرباً وتنطيطاً كـ" سنفور" بداخله، ولكن الأكواخ هى خيم عفى عليها تراب الأيام والخضرة هى لون من زغللة الفرحة بالرجوع للوطن تضفيها، والورود والأفرع المدلاة هى "بنرات" ممزقة تحمل شعارات ورسائل ومطالب، وبعض الأحبال المدلاة منها.

وقف أمام المكان الذى اعتصم فيه بالأيام الأخيرة وشاهد كل تلك الأيام بكل خطوة وحركة وكلمة.

تجمع حوله رفقاؤه مهنئين ومباركين له بالاستحمام وتصفيف الشعر والحلاقة واللبس النظيف، مرت ساعات اليوم سريعاً وسط الكلام والألفة حتى جاء الليل سريعاً ووجد نفسه وحيداً فى مكان الاعتصام الذى تركه وتركه كثيرون حتى أصبح فارغاً وكأن ريح عاتية أطاحت بمكوناته إلا من هذه الخيمة الخشبية التى كانوا يحتمون بها فى الليالى الممطرة ذات الريح والسقيع.

دخلها وظل يتحسسها ولأول مرة يراها متسخة وغير مرتبة ولأول مرة يحتار أين يجلس ولأول مرة يرى عيوبها وينتقدها ولأول مرة يقارن بين صورتها أول ما شيدت ورفعت وحالها الآن، وتذكر.. تلك الفرحة حينما قامت ووقفت أمام أعينهم.

جاء صديقه ببعض الطعام واستعطفه أن يعتصم معه الليلة حتى لا يبيت وحده.

ودخل وقت النوم ومعه دخل الهواء من كل فتحة فى حوائط الخيمة الخشبية ومعه تذكر كيف كانت الأيام الخوالى وسأل نفسه: هل نسيت؟!!!.. هل مجرد يوم واحد فى البيت يجعلك تتذمر.. "قالها مغلقا أى باب للحنق والضيق يدخل مع قُرص الهواء".

كان يرقص فى أحلامه مع عروسة غير واضحة الملامح ولكنها تبدو جميلة وفى وسط الرقصة سمع صوت كسر شديد وشعر بهواء اندفع بقوة طير فستان العروس ونطره من النوم، فاكتشف أن الحائط الخشبى الذى بجواره كسرته شدة الهواء بالخارج، ونفض من عليه الغطاء وقام مفكراً فى العمل وكيف يمر من هذا المأزق وتوالت الأفكار فى رأسه.

وأثناء بحثه عن مسمار وحجر يدق به الحائط المنكسرـ وجد بعض المسامير الصدئة والمتبقية منذ الإنشاء فحاول استقامتها ووضعها تقوية للحائط، وبدا أن الأمر قد نجح وذهب مرة أخرى للنوم بعدما قلق شريكه فى الخيمة، وعادا للنوم.

وقبل أن تغفل عينه انخلع الجزء المكسور مرة أخرى وقام على الفور وخرج ووجد الجزء طار مع الهواء تاركاً المسامير فى أماكنها، ووقف ينظر لها وكأنها تتحرك وستتكلم بل وتحمل تعبير "ما باليد حيلة فعلنا ما بوسعنا ولكن الهواء أقوى مننا".

هرول وراء الجزء الطائر وأرجعه إلى عشه وحاول صنع سند له مع إعادة المسامير إلى أماكنها الفارغة فيه، وتعرقلت نعومة سيرة على الأرض بشىء بدا وكأنه مسمار واتضح أنه مسمار بالفعل جاء فى ميعاده.

وظل يتأكد أن كل شىء بمكانه وقد تم بنجاح عمله وهو ينظر له بعين فرحه وعين مرتقبه، وسط تهكمات شريكة بالغرفة، الذى استنبط أنه لن يجدى كل ما يفعله، وأضاف أنه لا يستطيع أن ينام من صوت "الدق".

وقال فى قرارة نفسه: طبعاً منتا نايم جنب الحيطة السليمة ولا همك وأنا حايش عنك هوا الحيطة المسكورة "

وضحك قائلاً: اعتبر أن فيه اشتباكات وضرب يا سيدى..

ودخل الخيمة وجلس يفكر فى الذهاب إلى المنزل وأحس أن الوقت تأخر على ذلك، وفى هذا الوقت يزيد الخطر كما تزيد سرعة وقوة الريح بالخارج، واستسلم للنوم محاولاً دفن نفسه بين الفراش وتكفين جسده بالبطاطين وحينما جذبه حبل النوم من طرف ليأخذه إلى عالم الشفق جذبة من الطرف الآخر صوت مدوٍ لشىء طار وارتطم ودون أن يفكر عرف مصدر الصوت بل أحسه بشدة من برودته على وجناته، واكتشف أن فكرة المسامير لن ولم تنفع، "فلو كان خيراً فى المسمار الحالى ما كان تركه المسمار السابق".

أحضر الجزء الطائر وأدخله الخيمة وقد وضعه من الداخل ولكن الهواء دفعه عليه وهو نائم، فقرر قراراً هو الأصعب فى تلك الليلة وهو أن يسند بقدم الجزء المكسور ويدفئ قدما تحت الغطاء، ثم يقوم بالاستبدال عندما تشعر الأخرى بالغيرة.

لايزال الهواء يدفع الحائط المكسور ومن برودة الهواء فر النوم هارباً وكلما تقلب على جنبه سمع نداءاً غريباً فى أذنه، لم يعرف لماذا جاء فى هذا التوقيت وما السبب لتذكره، كلما استبدل قدما أحست بالبرودة والقرص الشديد سمع "إلا الثورة على جثتنا"، وينقلب ويريد أن يمسك بالنوم من السماء فيسمع "إلا الثورة على جثتنا" , وكلما سمع شخير منخار رفيقة فى الخيمة مع صفير الهواء بالخارج ترن أذنه " إلا الثورة على جثتنا ".. " إلا الثورة على جثتنا " , ينقلب ويسمع ويتقلب ويسمع ويغطى رأسه فيسمع أكثر " ويحدث نفسه :خلاص عرفنا ".

فيسمع " إلا الثورة على جثتنا " , وكأن مسيرة أندفعت داخل أذنه وتحول النداء من مجرد صوت إلى هتاف ,وتحول الهتاف إلى هتافات ومظاهرة.
" إلا الثورة على جثتنا "
" إلا الثورة على جثتنا "
" إلا الثورة على جثتنا "

ويصرخ داخل نفسه :طيب أنام وأصحى بكرة أهتف ونكمل الثورة بس أنام شوية.
" إلا الثورة على جثتنا "
" إلا الثورة على جثتنا "
فاندفع خارجاً من الخيمة وسط بذوغ نور الصباح مردداً " إلا الثورة على جثتنا ".
وأثناء استعراض عينه للميدان الذى كان يحتوى خيم أكثر عدداً حينما ذهب للنوم وبدا له أنه غفى غفوة أهل الكهف ,فالخيم كانت بمثابة بيوت تركت أماكنها ورحلت مخلفة وراءها صحراء تشف.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة