"صماء الوحدة" قصة قصيرة لأحمد سعيد

الخميس، 14 نوفمبر 2013 01:02 م
"صماء الوحدة" قصة قصيرة لأحمد سعيد أحمد سعيد

مات الزوج وترك لها تركة، بيتاً وهماً .. قد وزع قبل مماته التركة بين أولاده دون شركة.

وبين خطوط وسطور ضوء "الشيش" تكتب ذكرياتها، السيجارة هى صديقتها المخلصة التى تستمع إلى آلامها الصامتة التى تنفثها مع الدخان وكاتمة أسرارها.
الحفيد الوحيد أصم لا يسمع ولا يتكلم إلا بصعوبة، من كل حين وآخر يجلس معها،

الشارع هو ملهاها وفسحتها، على كرسى الزوج الذى يحمل بصمات جلسته الأخيرة والدائمة، تجلس عليه فى مدخل البيت، الذى يعيش معظم ساكنية فى بلاد أخرى، بين إشارات يده تجد الدجر والقدر، اثنان من عوالم مختلفة يتلاقيان، كوائن من كواكب مختلفة يتجادلون، لكنه حفيدها الوحيد الذى ربما يحكى لها عن مغامرة أو شكوى ولا يجد ما يقوله سوى بين حرفين ممم ..., ويااااى".

تلك الضحكة التى مازالت ندرة ونادرة ما تضحكها عندما تتذكر "دلع" المرحوم لها، وهى أيضاً نفسها التى تريد أن تضحكها فى وجه الحفيد كلما عجز عن التعبير أو خرجت منه صوت كلمة تشبه الكلمات العادية، يكاد يذكرها بأصواتهم وهم صغار فى "اللفة" فاللغة لا تكاد تكون بعيدة فحفيدها كالطفل الرضيع فى سنته العاشرة، لاينفع فى تعليم ولا يستطيع أن يطاق فى البيت ولا يفهم مطالبه وأخيراً ترك الحبو فى الحياة وخرج من حضن أمه، لسان حال البيت الذى يهرب منه إليها، الجدة لا ترفضه رغم أنها لا تفهمه.

وعلى الرغم من أن تلك الكلمة هى هيبتها بين رجال الشارع و"بكواته"، لكن "يا حجة" هى سهم يضرب فى أنوثة تلك الشابة حبيسة هذا الكوخ الذى طالما ابتل سقفه من قطرات المطر التى تنزل بها سحابة عينها اليسرى، تغار من كل الحسنوات المارين من أمامها، من جنسها ومن أجناس أخرى، غيرة لا يعرفها سوى النساء، ولا تكاد ترى غيرتهم من أناقتها رغم تقدم سنها.

السيارات تمر والناس... والموز بين الفاكهة أصفر كما هو عند فكهانى المنطقة، وتلك الحائط التى تشبة باب القفص والتى تسد عليها تغير المنظر سواء فى السماء أو الأرص، التى ظلت عتيقة اللون لأعوام.

سكنت أخيراً فطالت المدة منذ آخر يد طالتها بألوان أو عبارات أو إعلانات، صديق وحيد عصبى المزاج اكتشفت مؤخراً أنها تفهمه رغم أنه أصم أيضاً، ربما لأن قليلاً ما يغير مواضيعه وسخطه على الناس والحياة.

صديق هو أم صرخة مكتومه تطلقها من خلال فمه المكتوم من كونه الأصم، كثيراً ما تساءل الناس فى محيطها لماذا تجالسه؟! ومن يكون هو!!، لما تصبر عليه وعلى غلظته البارزة وتشويحاته فى وجهها، الوحيدة هى تعرف أن تشويحاته ليست فى وجهها، إنما هى فى وجه الحياة، والوحيد هو من يستطيع إبتلاع كل كمية الكلام المحشور فى فمها ومسجون عقلها والذى يمله المحيطون.

وكلما تناست عمرها الحقيقى ذكرتها صديقتها القديمة منذ عقود فى زيارتها اليومية بتجاعيد وجهها، وكيف تغير هذا الوجة بعد مضى السنين على طمى الوجه، وكيف أصبح ينفر وتنفره تلك الألوان التى ترتديها الصديقة فى "تييريتها" ذات موضة العقود التى انصرمت والتى زوقها أصبح كا زوق الفكهانى المجاور لجلستهم فى رصته لفكاهاته، وليأتى الزمان بفكاهاته، بين حوارهم إن إستطاعت الذكرى الحلوة أن تصارع الأيام الحزينة وتغلبها.

مر أيام كثيرة وبحث عنها، لم يجدها نهاراً ولا ليلاً، صممه لم يجعله يفكر فى السؤال عنها، ماتت اللحظات وذاد السخط كلما شاهده يجلس وحده وهو يعلم أنه أصم مثله، كانت ذات ألوان الفاكهة آخر من حدثتها هاتفياً.. ولكنها لم تسمع منها شيئاً.

وعندما قرأ أولادها تلك القصة عندما نشرت، قادهم الحفيد الأصم إلى كوخها الذى يتوسط صدرها والبيت الكبير الملىء بشقق وشقوق فارغة صنعها هزة الحياة العنيفة.

وفتحوا الباب بمفتاح كاد أن يكون صدئا من قلة الاستخدام ولهذا لم يستطع فتح قلب الأم بسهولة رغم أنه لم يغلق وظل الباب "موارباً" ولكن الابن والد الحفيد الأصم لم ينتبه لذلك لأنه نسى أن هذا الباب لم يغلق منذ حياة والده وبعد رحيله ولكنهم هم الذين رحلو عنه.

كانت حبة مطر كبيرة اصدمت بسقف الكوخ عندما تنبهت لها الشابة التى أصبحت أماً تحمل الرضيع بين يدها تخاف عليه من النسمة التى تمر بين فراغات أعشاب الكوخ كل شهيق وزفير.

"أمى" كانت صرخته عندما شعر ولأول مرة بنديات تلك حبة المطر على سطح الكوخ المكسور، وانتبه الرضيع لأول مرة أن الشابة لم تعد شابة، ولم تعد تستطيع أن تحميه ولكنها أصبحت تحتاج إلى كوخ ولو متهاوى يأويها، وقطرة الدمع يصعب كثيراً طريقها بين تجاعيد وجهها.

ولكن شيئاً مفقود فى تلك القصه هو صوتها، حوالت الرد عليه أو التعبير عن فرحتها بحبوه مرة أخرى فى كوخها ولكن شيئاً ما منعها عن إصدار حتى شهقة الفرحة أو صرخة الرفض.

لم تكن تعرف ماذا يريد ولماذا يمسك بها هكذا، مشتاق، أو مشطات، لم تفهم شيئاً سوى ملامح وإشارات الحفيد الذى كان يترجم لها ما يقوله لها الابن، لم تكن تحتاج لطبيب بل كانت تحتاج لتطبيب، فم مغلق لأعوام يحتاج لأذن ليوم واحد فى العام.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة