خالد صلاح

د. مصطفى النجار

عن جريمة التعذيب والوطنية

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013 10:14 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
«يا فندم أنا مستعد أعمل أى حاجة أبوس رجلك، يعنى خلاص اتعلمت الدرس؟ أيوه خلاص اتعلمت والله يا فندم بس كفاية كدة مش قادر هموت» كان هذا كلام «أسلم فتحى» مراسل إحدى القنوات الفضائية الذى تعرض لحفلة تعذيب بالمنيا على يد بعض ضباط الشرطة، الذين علقوه على خشبة بين كرسيين بعد ربط يده بكلبش وقدمه بكلبش آخر فى وضع تعذيب معروف بالشنطة، ولم يعد يرى أسلم سوى أقدام العساكر والضباط تنهال على كل جزء من جسده مع العصى والسياط التى ألهبت جسده، لم يرتكب أسلم جرما يستحق به هذا التنكيل ومن يطلع على بقية الحكاية تقشعر جوارحه إذ فى نفس مكان تعذيب «أسلم» كان هناك ضحية التعذيب الشهير المعروف بفيديو «سوسن» لأن الضابط الذى كان يقوم بتعذيب الضحية كان يجبره وهو رجل على أن يقول «أنا سوسن وعايزة».. «مرادف شعبى للجماع»!
كل من رأى هذا الفيديو بكى وأصابه التقزز لمجرد أنه تخيل وجود هذه الممارسات فى مصر بعد الثورة، جريمة التعذيب ليست جديدة فى بلادنا فهى أسلوب متعارف عليه لانتزاع الاعترافات والقهر والإذلال وكسر كرامة الضحية المراد التنكيل بها، من الصعب أن تقول إن التعذيب فى مصر حالات فردية بل هو ممنهج، لدرجة أن العقل الجمعى للمصريين صار يعرف أساليب التعذيب المختلفة مثل وضع العروسة والشنطة والصعق بالكهرباء والتهديد بالاعتداء الجنسى وغيرها من الممارسات التى تحدث باستمرار لكن لا يتيسر الكشف إلا عن القليل منها.
دعاة الوطنية الزائفة وطيور الظلام الجدد يهاجمون كل من يتحدث عن حقوق الإنسان وكرامته، وكل من يرفض التعذيب يصبح عندهم إخوانيا أو «طابور خامس» أو كارها للجيش والشرطة، ولذلك يسارعون بتبرير أى انتهاكات حقوقية ويرددون مقولة بلهاء «تسقط حقوق الإنسان أثناء حرب الإرهاب».
لا بد أن توافق على التعذيب حتى تصبح وطنيا، لابد أن ترضى بسحق الإنسان حتى لا تكون خلية نائمة ولا عميلا، وهكذا يمارسون الإرهاب الفكرى ليس على مخالفيهم فى الرأى السياسى فقط بل على المدافعين عن الحقوق والحريات بشكل عام.
تعرف اتفاقية مناهضة التعذيب الدولية مفهوم التعذيب بأنه: «أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو عقليا أو نفسيا للحصول على اعتراف، أو معاقبة الضحية على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه أو لغرض التخويف والقهر».
وتنص المادة الثانية من الاتفاقية على أنه لا يجوز التذرع بأى ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسى داخلى أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب!
يستمر التعذيب فى مصر لأنه لا توجد محاكمات وعقوبات رادعة للمجرمين المتورطين فى التعذيب، ولأن القانون حتى الآن لا يعتبرها جريمة مخلة بالشرف، وإذا أمن المجرمون العقاب أساءوا الفعل وزاد إجرامهم، كما أنه لا يوجد تعليم شرطى مهنى يعلم رجل الأمن كيفية الحصول على المعلومة دون إهدار كرامة الناس.
نحتاج فورا إلى تعديلات على قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية يتعلق بإعادة تعريف مفهوم التعذيب وتوسيع مدلوله ودائرة المرتبطين به والمتورطين فيه، وأن يشمل التعرض للضغط المعنوى والنفسى والجسدى للضحية وأسرته، والذين لهم علاقة به فى حال تعرضهم لأى ضغوط، وكذلك تغليظ العقوبة الجنائية لتصل إلى خمسة وعشرين عاما، وتحريك الدعوى الجنائية «الادعاء المباشر» من المجنى عليه أو أفراد أسرته أو جهات حقوقية وعدم قصرها على النيابة العامة.
نحن نخاف على الشرطة المصرية ولا نتمنى لها أن تسقط مرة أخرى بفعل هذه الممارسات التى كانت سببا فى اندلاع ثورة 25 يناير، وإذا كانت بعض الوجوه القميئة قد عادت لعملها بالجهاز عقب 30 يونيو، وتعتقد أنها يمكنها إعادة الزمان للوراء تحت ذريعة الخوف الجمعى الذى يعانى منه المصريون اليوم، فإنهم واهمون- وإن أفلتوا من العقاب والمساءلة الحقيقية - حتى الآن فإن لحظة الحساب آتية مهما طال الزمن وستكون قاسية بقدر قسوة أفعالهم وجرائمهم.
فى جهاز الشرطة كثير من الشرفاء الذين نعرفهم ويرفضون هذه الممارسات ويتبرأون منها ويرون أنهم يتحملون عاقبتها حين تسوء الصورة الذهنية العامة لرجل الشرطة لدى المواطن، ننتظر من الحكومة قبل أن تتحدث عن قانون التظاهر والإرهاب أن تحمى المصريين من جريمة التعذيب، وأن نرى إرادة حقيقية لوقف وملاحقة كل المتورطين فى هذه الجريمة.. لا بارك الله قوما تضيع بينهم الحقوق.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة