خالد صلاح

وائل السمرى

غاب حسن أرابيسك فحضر خيرت الشاطر

الأحد، 06 أكتوبر 2013 02:57 م

إضافة تعليق
سامحونى إن بدا كلامى خارج السياق، أو إن انتظرتم يوما تعليقا على الأحداث، أو رأيا فيما يجرى، وحينما طالعتم المقال، لم تجدوا شيئا مما انتظرتموه، فقد تعمدت خلال الأسبوعين الماضيين ألا أكتب شيئا عما يدور الآن من صراعات ومشكلات سياسية جدلية، وذلك لأننى أرى أنه لا وقت للصراعات الجانبية، والجدل السياسى الذى لا ينتهى، كما أرى أن أغلب مشكلاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية مشكلات ثقافية فى الأساس، ولقد تطرقت فى الأيام الماضية إلى رصد الآثار الاجتماعية لتدنى ثقافة الفرد، واليوم سأتناول ملمحا آخر من ملامح هذه الآثار، وهو الملمح الاقتصادى.

يعتقد البعض أن هناك انفصالا تاما بين السياسة والاقتصاد، وهو اعتقاد خاطئ مائة فى المائة، فللثقافة أكبر الأثر فى أية مشروعات تنمية اقتصادية تعتزم الدولة إنشاءها، فالثقافة هى المسؤولة عن بناء الإنسان وتنمية روح العمل، ولا يوجد فى أى دولة أرادت النهوض مشروع اقتصادى كبير إلا وصحبته حالة ثقافية كبيرة، كما أن هناك العديد من الصناعات ذات الأصل الثقافى التى يساهم الاعتناء بها وتطويرها فى زيادة الوعى الثقافى من ناحية، وزيادة فرص الاستثمار من ناحية أخرى، ولذلك أرى أن جزءا كبيرا من مشاكلنا الاقتصادية يكمن فى عقمنا الحضارى وفقرنا الإبداعى، ولا سبيل أمامنا إذا أردنا نهضة، إلا السعى جاهدين لتبنى مشروع ثقافى مصرى أصيل، يؤكد على هويتنا الحضارية وفى ذات الوقت يضمن لنا فرادة اقتصادية لافتة.

سأضرب هنا مثلا بصناعة الأثاث التى تنكمش الآن بشكل ملحوظ، ولا أبالغ إذا قلت إنها فى طريقها للاحتضار، فقد اعتمدنا مؤخرا على الأثاث المستورد الذى يأتى غالبا من تركيا وإيطاليا بأسعار منافسة وجودة متوسطة، وطرائق تصنيعية مبتكرة، وللأسف فقد أسهم انتشار الأثاث التركى فى قتل الصناعة الموبيليا فى العديد من المدن والمحافظات التى كانت أشهر مدن العالم فى تصنيع الأثاث، وللأسف أيضا فقد انتشر طراز الأثاث «المودرن» دون أن ننتبه، ودون أن نسأل أنفسنا، لماذا انتشر وكيف؟ ولم نأخذ فى اعتبارنا أن تدهور المستوى الفنى وتقليدية زخارف الموبيليا كانت من أهم عوامل انكماش هذه الصناعة المهمة التى يعيش عليها مئات الآلاف من الأسر، وتساهم فى تشغيل العديد من الصناعات المصاحبة، فانقراض صناعة الموبيليا «العربى» أدت إلى انقراض جيل بأكمله من صنايعية «الأويما» والصدافين والخراطين والكفاتين العجاتية.

انقراض الصناعات المصرية الأصيلة التى يمثلها شخصية «حسن أرابيسك» أدت إلى تكدس رأس المال فى يد حفنة من رجال الأعمال مثل «خيرت الشاطر» محتكر استيراد هذه النوعية من تركيا من الخارج، وبدلا من أن ينتفع عشرات العمال من تداول الموبيليا، انتفع رجل أعمال واحد من استيراده للموبيليا من الخارج، وبدلا من ظهور جيل من الفنيين والعمال المهرة، ظهر جيل آخر من السماسرة و«المخلصاتية» والشيالين والمرتزقة، كل هذا فى جانب، وما أسهم فيه انتشار تلك النوعية من الأثاث فى جانب آخر، فقد قضت تلك الأثاثات المستجلبة على الذوق المصرى، وجعلت بين المصرى وحضارته اغترابا كبيرا، وأسهمت فى تدهور ذوقه وإفقار بصره، فأصبحت أغلب البيوت المصرية الحديثة عبارة عن مربعات ومستطيلات ومثلثات لا معنى لها، بعد أن كانت بيوتنا تزخر بالزخارف ومشربيات وزجاج معشق ونافورات، وتصرخ بملء فيها معلنة أصالتها وجودتها، والأنكى من ذلك كله هو أن تلك النوعية من الأثاث تعتبر أثاثا بلا روح، حيث تدخل فى صناعتها الألياف الصناعية بنسب كبيرة، وبعد أن كانت مواد أثاثنا طبيعية تتفاعل سلبا وإيجابا مع أجوائنا المميزة، أصبحنا نعيش فى مكعبات ميتة لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
إضافة تعليق




التعليقات 1

عدد الردود 0

بواسطة:

hussieny El Semary

Economics and Politics

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة