محمد عمر يكتب: الثورة والخصخصة

الخميس، 03 أكتوبر 2013 05:03 م
محمد عمر يكتب:  الثورة والخصخصة المحكمة الإدارية العليا

استلفت انتباهى وأسعدنى بشدة ما طالعته بالصحف مؤخراَ من أخبار حول حكم المحكمة الإدارية العليا ببطلان خصخصة شركتى طنطا للكتان والنيل لحليج الأقطان، وإعادة ملكية الشركتين إلى الدولة، الأمر الذى أثار فى ذهنى الحديث عن قضية الخصخصة برمتها.

والمعروف أن حقبة التسعينيات، وما بعدها أيضا قد شهدت ما يشبه سعارا فى خصخصة الكثير من شركات ومؤسسات القطاع العام تحت دعوى عدم قدرة القطاع العام على إدارتها بشكل ناجح بما يجعلها تجلب الخسائر بدلا من أن تجنى الأرباح. غير أن تلك الفكرة البريئة فى مظهرها، والتى كان من الممكن أن تنجح لو توفر لها قدر من الشفافية والتقنين السليم. استخدمت كغطاء لنهب موسع ومقنن للمال العام، بيعت فيه تلك الشركات والمؤسسات بأبخس الأثمان لدرجة أن بعض الشركات بيعت بما لا تساوى قيمته قيمة الأرض التى قامت عليها هذه الشركات وفق تقييم بعض الخبراء آنذاك، فضلا عما احتوته تلك الشركات من آلات ومعدات وبنية تحتية وفوقية. وبالتوازى مع ذلك تم تسريح آلاف العمال لينضموا إلى جموع العاطلين مقابل مبالغ زهيدة حصلوا عليها لقاء تسريحهم، ليتضح أن آخر هدف لعملية النهب المنظم للمال العام التى جرت تحت مسمى الخصخصة كان هو الإدارة الناجحة أو زيادة التشغيل أو تحقيق الأرباح، إلا إذا كان معنى تحقيق الأرباح هو تلك المبالغ الطائلة التى صبت فى حوزة من قاموا بالاستيلاء على تلك الشركات والمؤسسات بمساعدة مسئولين، لا شك أنهم حصلوا على ما يرضيهم مقابل قيامهم بدور المحلل فى تلك العمليات القذرة. ولم يكن هذا هو الجانب الأوحد الكارثى فى الأمر، وإنما تزامن كل ما سبق مع تمليك أطراف خارجية لأسهم تلك الشركات والمؤسسات بشكل لا أعرف تفاصيله على وجه الدقة، إلا أن أبسط قواعد البداهة تجعلنى أتيقن أن تمليك تلك الأطراف الخارجية تم فى إطار لابد وأنه يمس الأمن القومى للبلاد على نحو أو آخر فى ظل أن عملية الخصخصة قامت برمتها على الفساد الذى لن يضع أى اعتبار لهذا الأمر.

ورأيى أنه ربما قد آن الأوان لإجراء إعادة تقييم شاملة لكل حالات خصخصة الشركات والمؤسسات التى تمت خلال السنوات الماضية وفق برنامج الخصخصة، بما يعيد تلك الشركات والمؤسسات إلى ملكية الدولة، أو يعيد تقييمها وفق قيمتها الحقيقية مع وضع الأسس الصحيحة لاستغلالها من قبل المستثمرين، سواء كانوا من المصريين أو الأجانب.

وإذا كنا نتحدث الآن عن مرحلة جديدة قادمة يفترض أن تقام فيها الكثير من المشروعات بما يخفف من حدة البطالة ويزيد من إنتاجية الدولة، فالأحرى بنا أن نعيد استغلال المشروعات القائمة بالفعل على النحو الذى يحقق الأهداف التى نصبو إليها.

ولا أريد من يتحدث عن مدى قانونية عملية إعادة تقييم الشركات والمؤسسات التى خضعت للخصخصة، أو الآليات الإدارية والعملية اللازمة لذلك، لأن مثل هذا الكلام سوف يكون هو التقنين الجديد لترسيخ عمليات النهب الموسع والمنظم وصبغها بصبغة قانونية شرعية فى الحاضر، فضلا عن التقنين القديم الذى قنن وشرعن تلك العمليات فى الماضى. وإذا لم ندرك أن تلك العمليات قد تمت فى غياب كامل لأى وازع من ضمير أو أخلاق أو عدل، الذى هو روح القانون فى الأساس، استبيحت فيه ممتلكات الدولة والشعب، وإذا لم ندرك أيضا أننا نعيش فى حالة ثورية لا تعرف معنى التردد أمام القيام بأى إجراءات استثنائية إذا دعت الحاجة إلى إجراءات استثنائية تهدف إلى تعديل كل الأوضاع الشائنة التى شابت الماضى، فبوسعى أن أقول إننا بالتبعية لا ندرك مفهوم كلمة ثورة.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة