لقد نشأت أجيال الشباب، ومنها جيلى فى عهد حسنى مبارك كاملا منذ كنا صغارا لا نعى شيئا سوى ما يلقننا إياه الكبار، حتى تكونت خلفياتنا وتبلورت شخصياتنا المستقلة.
ويوما بعد يوم كانت تتفتح عيوننا على الدنيا أطفالا أبرياء صغارا نشاهدهم يتكلمون بمنتهى الوداعة ويظهرون التأييد لكل ما يطلبه الشعب ويبتسمون ابتسامات عريضة ملء وجوههم لكن شيئا فشيئا أصبح هناك جدار عازل بين قلوبنا البريئة وقسمات وجوههم.
أصبح كلامهم الرنان البراق شعارات مكررة ومحفوظة نتندر عليها فى نفوسنا، ووعودهم مجرد ادعاءات نثق أنها ستغدو هباء.
كنا نشاهد جلسات مجلس الشعب لا لكى نسمعها بل لكى نضحك على كلمة موافقة موافقة.
وإذا ظهر كبار المسئولين والوزراء لا نفرق بين أسمائهم لأن شيئا مشتركا فى وجوههم بات مألوفا لنا، وفعلا بمجرد الاسترسال فى الكلام نتأكد أنهم حزب وطنى واحد، كنا فى طفولتنا وبواكير شبابنا نضحك منهم ونسخر من ترديد هؤلاء الكبار لنفس الجمل المرصوصة المنمقة، لكن للأسف انسحبت نظرتنا تلك دون أن نشعرعلى كل من حولنا ولم تعد وحتى فى المسائل المصيرية التى تمثل وحدة الأمة الاسلامية وكرامة العرب كنا نراهم يرددون كلمات الشجب والإدانة والتنديد وكان هذا أقصى ما يمكن أن نسمعه أو نتوقعه منهم.
كنا صغارا نفتقد القدوة والمثل الأعلى، وشبابا نبحث عن أى شخص يكون رمزا نتشبث به ليكون قامة وقيمة تحترمها قلوبنا وتعتز بها عقولنا.
كنا نبحث عن أى نموذج لمسئول كبير أو عالم جليل نضعه نصب أعيننا لكن للأسف هؤلاء الكبار ممن يسمون أنفسهم صفوة كانوا دوما يقصفون كل نموذج ويحنون كل قامة تتمثل فيها القيم والأخلاقيات حتى أفقدونا الثقة فى قدرات أجيال الكبار أن تقدم لنا القدوة أو الرمز أو أن تكون لديها ما يمكن أن نسير خلفه بأمان، وتحول الكبار فى نظرنا لمجرد أصداء أصوات لصناديق جوفاء.
ووسط صراع القيم داخل جيل يعانى من أكاذيب وفساد الصفوة تحولت المصطلحات المتفق عليها بين جميع البشر إلى معان أخرى داخلنا ونحن فى مطلع الشباب.
فلقد أصبح معنى كلمة البطل إلى المدعى والصادق إلى الكاذب والمسئول إلى الفاسد المرتشى ورجل الأعمال الغنى إلى النصاب ومدير البنك إلى الحرامى والذكى إلى الفهلوى والناجح إلى المنافق الذى يلعب بالبيضة والحجر وتحول الكبار من الصفوة والنخب إلى طغاة يطبقون على أحلامنا ويخنقونها ويجهزون على طاقاتنا وإبداعاتنا. وحل الاحتقار لهم محل التقدير فى نفوسنا وأصبح كل ما يصدر عنهم من كلام كذبا لا يقبل التصديق مهما كان وكل ما يشاع عنهم حقائق لا تقبل الشك ومجرد ظهورهم على الشاشات، أمامنا شىء بغيض يثير الحنق فى نفوسنا والإحساس بالعجز وقلة الحيلة حتى عندما كنا نحاول أن نتعاطف معهم لا نستطيع الاستمرار ولأتفه الأسباب تثور ثائرتنا عليهم بعد كل ما أورثوه لنا من إحباط ومعاناة وضياع لأحلامنا، للأسف هؤلاء لم يكسروا فقط نفوسنا البريئة ولكنهم كذلك حطموا قيمة النموذج والمثل الأعلى والقدوة الأخلاقية فى حياتنا.
مبارك