رغم أجواء التبجيل والتعظيم التى تحيط بالبابا تواضرس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، إلا أن ذلك لم يترك أثرا فى نفس الرجل الذى لا زال يحتفظ بمخزون لا بأس به من روح الفكاهة، مؤكدا على ترحيبه بأى حوار من أجل مصلحة البلاد واستقرارها، لكنه فى نفس الوقت كان يستعيد ملامح الجدية وهو يتحدث بنبرة يغلفها الحزن عن قضيتى "اختفاء الفتيات المسيحيات القصر" و"التعداد الرسمى للأقباط"، منتقدا تعامل الجهات الرسمية مع هاتين القضيتين.
ما الرسالة التى سيوجهها البابا لشعبه خلال قداس عيد الميلاد اليوم الأحد؟
سوف أخصص العظة عن "الفرح" فنحن فى عام جديد نستبشر فيه كل خير، وكلمه الميلاد هى كلمة مفرحة وتعنى الحياة الجديدة، والإنسان فى احتياج ملح للفرحة خصوصاً على أرض مصر.
ما رأيك فى فضائية الأزهر الجديدة التى أعلن شيخ الأزهر عن إطلاقها مؤخرا؟
أراها لازمة لنشر ثقافة التسامح والاعتدال ومقاومة التشدد والتطرف، وهو الدور الطبيعى لمؤسسه الأزهر، وقد عبر شيخ الأزهر عن ذلك حين أعلن عن إطلاقها خلال لقائنا بالكاتدرائية الأربعاء الماضى.
وماذا عن هيئة "بيت العائلة" للوحدة الوطنية؟
بيت العائلة فكرة مصرية خالصة، بدأت من الأزهر وتشارك فيها الكنيسة بجدية، والعائلة تعنى فى مجتمعنا المصرية مناقشة الأمور كلها بروح محبة ومسئولية، وقد امتد النقاش فيها إلى لجان التعليم حتى أن نشاطها تجاوز مصر ووصل إلى فرنسا حيث تم تأسيس فرع لبيت العائلة هناك.
ما حقيقة تخوف الكنيسة من الشريعة الإسلامية؟ ولماذا انسحبت من الجمعية التأسيسية التى وضعت الدستور الجديد؟
أحد مسئوليات الكنيسة باعتبارها مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدنى أن تشارك فى أى حركة وطنية موجودة، والمفترض عند وضع الدستور أن يأخذ مظلة المواطنة، لأن صفة مواطن هى الصفة الوحيدة التى تجمع كل البشر على أرض مصر، ومهم جدا أن القوانين، "الدستور"، يأخذ روح المواطنة، وعندما بدأ مشروع الدستور الجديد يأخذ منحى "دينيا"، صار يخاطب جزءا ولا يخاطب الكل، ومن هنا جاء الموقف بالانسحاب، فالمادة الثانية، التى تنص أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، ارتضى بها المجتمع منذ عام 1971، وعليها توافق مجتمعى كبير، أما غيرها ربما لا يوجد قبول كبير له، وهناك مواد أخرى تحتاج لتعديل، مثل النص على أن يكون للمولود "الحق فى اسم مناسب"، فمن يحدد الاسم المناسب من عدمه؟، وهى عبارة يمكن أن تثير مخاوف كثيرة، فنصوص الدستور لابد أن تكون حازمة وحاسمة وقاطعة ولا تقبل التأويل، وعموما نحن فى حالة حوار حتى بعد إقرار الدستور، وهناك مواد تفسيرية يمكن تقديمها ولنا ممثلون يستطيعون النقاش فى الأمر.
المادة الثالثة فى الدستور الجديد التى تخص المسيحيين واليهود وتعطيهم الحق فى الاحتكام لشرائعهم، هل هى كافية لتحقيق مطالب الأقباط؟
لقد تم وضع تلك المادة لعدم إغضاب الكنيسة، لكن المادة 219 الخاصة بتفسير الشريعة نسفت كل شىء، حيث تنص المادة 219 على أن: "الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السنة والجماعة"، وهو ما أثار مخاوف بعض الأقباط.
ما هى مطالب الكنيسة من السلطة التشريعية الممثلة فى مجلس الشورى الآن؟
ليس لنا مطالب ولكن لنا حقوق نصر عليها، أبرزها إقرار قانونى الأحوال الشخصية الموحد، ودور العبادة الموحد، فأحد أبرز المشكلات هى بناء كنيسة وأنا لا أدرى لماذا هى مشكلة، وهناك مشروعات قوانين لدور العبادة وبناء الكنائس وهناك خطوط تنظيمية يمكن أن تأخذ حيز التنفيذ، لكن حتى هذا اللحظة لا يوجد شىء ولكن هناك أمل يتجدد مع كل نهار جديد.
هل تستشعر أزمة فى تنصيبك بابا للأقباط تحت مظلة حكم إسلامى؟
التيار الإسلامى لا يمثل أزمة فنحن إخوة فى وطن واحد، ونحن الدولة الوحيدة التى يمر بها نهر من الجنوب للشمال يتوسط البلاد ويروى العباد، فقد عشنا عمرنا بالكامل معا ولم نعرف النعرات الطائفية إلا منذ نحو عشرين عاماً فقط.
لماذا تم تأجيل لقائك بمرشد جماعة الإخوان محمد بديع قبل أحداث قصر الاتحادية الرئاسى الشهر الماضى، وهل يمكن استقباله الآن؟
كان مقرراً أن استقبل 6 شخصيات فى هذا اليوم؛ وزيرين وسفيرين ووفد من هولندا والدكتور محمد بديع، وكنت متواجدا فى الدير، فنصحنى الأمن بعدم مغادرته، فاعتذرت عن الزيارات الست، والكنيسة أبوابها مفتوحة للجميع وأهلا بأى زيارة من مرشد الإخوان.
نظمت الكنيسة القبطية فى السابق 4 لقاءات للحوار مع جماعة الإخوان المسلمين، هل تفكر فى استئناف الحوار؟
بنعمة ربنا نستطيع الحوار مع الإخوان ولا يوجد لدينا فكر المخاصمة، فالإخوان هم "إخوتنا" وعندما يتم الحوار سأتحدث بروح المحبة، وأذكر أن وفدا من حزب الحرية والعدالة من منطقه وادى النطرون (الصحراء الغربية لمصر) زارنى بالدير هناك بعد فوزى بالقرعة الهيكلية، وسألونى: ما الذى تريده الكنيسة من الحزب، فصمتت قليلا وقلت: "أريد أمرين: الحرية والعدالة".
كيف تقيم فترة حكم الرئيس محمد مرسى حتى الآن؟
الفترة غير كافية للتقييم، وهناك متغيرات كثيرة، والإنسان المصرى لم يشعر بنتائج إيجابية على مستوى السياحة والاقتصاد وحل مشكلة البطالة ولقمة العيش وعودة الأمن والاستقرار بعد، فمجتمعنا يحتاج لبناء جذور الثقة، وعلى أى مسئول عندما يتحدث أن تكون كلماته صادقه ليشعر بها الناس ويصدقوها، أما لو كانت للاستهلاك المحلى فالثقة تكون منعدمة بين الجهاز التنفيذى والشعب، والمغالطات فى الأرقام تبنى ديمقراطية ورقية.
البعض تبنى مقترحا بوضع الأقباط والمرأة على رأس القوائم الانتخابية باعتبارهم فئات مهمشة.. ما رأيك؟
بلا شك هو إجراء يمكن أن يساهم فى زيادة تمثيلهم، فقوة المجتمع فى تنوعه، ويجب أن تكون المجالس النيابية ممثلا فيها كل الأعمال والفئات لتكون معبرة عن كينونة مصر، فمصر ليست فصيلا واحدا ومجلس النواب لابد أن يكون معبرا عن الشعب، وهناك آليات أخرى لزيادة تمثيل الأقباط فماذا يقدم 50 عضوا قبطيا من مجموع 500 بالمجلس، وإتاحة فرصه أكبر لتعيين نواب أقباط، وتخصيص دوائر يعين فيها أقباط فقط، وأحيانا فى بعض الدول تخصص لسنه أو سنتين لمرة أو اثنتين دوائر بعينها للأقباط لزيادة عدد المنتخبين وليس المعينين.
كيف ترى ترشح الأقباط على قوائم الأحزاب الإسلامية؟
مجرد ديكور من باب التجميل.
لماذا غابت الكنيسة عن جلسات الحوار الوطنى التى جرت تحت رعاية مؤسسة الرئاسة؟
عندما نعرف جدول الأعمال ونجد جدية بالتأكيد سنشارك.
كيف ترى قضية اختفاء فتيات قاصرات أقباط؟
الأزمة تتفاقم يوما تلو الآخر، ومجتمعنا المصرى لا يقبل اختفاء بنت، فالبنت لها أهمية وكيان خاص، ولا نجد إجراء حاسما من القانون أو الدولة، فماذا تسمى ذلك فيما يكتفى المجتمع بالصمت وهو أمر لا يمكن قبوله؟!.
هل تؤيد عودة جلسات النصح والإرشاد لمن يريد أن يتحول من المسيحية للإسلام؟
بلا شك، ولكن تتم فى مراكز حقوق الإنسان بشرط أن تتسم بالحياد وليس فى مديريات الأمن التى كانت تقوم بممارسة التخويف على من يرغب فى ترك دينه.
ما هو تعداد الأقباط فى مصر؟
موضوع التعداد أحد مسئوليات الدولة وليس الكنيسة، وأتعجب أن الدولة تقوم كل عشر سنوات بحصر عدد الأجهزة الكهربائية فى المنازل لوضع خطه التنمية على أسس علمية ولا تفعل ذلك مع الأقباط حتى صار الأمر محيرا لجهات التعداد، ولهذا الأمر مغزى، فكأنه يقال لك "انك مش موجود".
كيف ترى دعاوى الانفصال التى يروج لها البعض لتأسيس دولة قبطية فى مصر؟
من يروج لذلك مختل وكلامه غير صحيح، فالكنائس والأديرة منتشرة بطول مصر، والكنيسة جزء لا يتجزأ من مصر، التى لن تنقسم وستظل موحده منذ عهد (الفرعون) مينا وإلى الأبد.
كيف نضمن عدم تكرار سيناريو أحداث العنف للفيلم المسىء للنبى محمد التى اندلعت العام الماضى؟
الأزمة الحقيقية أن من يعيش بالخارج يتمتع بمناخ من الحرية أكبر بكثير من مصر، والمسيحية نفسها تتعرض لإساءات يومية من باب الحرية، ومسئولية الكنيسة روحية فى المقام الأول والعقوبات الكنسية تطبق على الأخطاء الكنسية فقط، ويجب تفعيل القانون فى أى جريمة ضد الأديان.
هل عكست زيارتك لكنائس الروم الكاثوليك والأقباط الكاثوليك والروم الأرثوذكس للتهنئة بأعياد الميلاد اهتماماً بالوحدة بين الكنائس؟
الوحدة بين الكنائس لها شكلان، الأول شكل إيمانى عقيدى لاهوتى يدور خلال الحوارات اللاهوتية بيننا وبين معظم كنائس العالم، ونبحث فيه عن وحدة الإيمان، وهناك مستوى حياة الشراكة والمحبة يتم خلالها نوع من التعاون والخدمة المشتركة بعيدا عن الأسرار والعقيدة، وهذا ما أشجعه باستمرار.. أن يكون هناك نوع من الوحدة.
ما رؤيتك للدور التركى فى المنطقة؟
زارنى السفير التركى بالقاهرة حسين عونى، منذ فترة وجلسنا جلسة طويلة، وأهدانى مجموعة من الكتب عن تركيا وتاريخها والدولة العثمانية ورؤية تركيا للسلام بقلم رجب طيب أردوغان، وسبق أن زار أردوغان البابا شنودة، وأنا شخصيا معجب بالتجربة التركية فهى ترقى من نفسها وتتقدم، وطبعا الإدارة فاصلة بين الدين والدولة هناك منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك (خلال النصف الأول من القرن الماضى)، حتى كل من يذهب إليها للسياحة يثنون عليها، وهناك شكل من أشكال الانفتاح، فتركيا تعتبر فى أوروبا معادلة لمصر فى أفريقيا والاثنتان على طرفى البحر الأبيض المتوسط.
البابا تواضروس لـ"الأناضول": أرحب بالحوار مع الإخوان المسلمين فى إطار محبة الكنيسة للجميع.. والداعون لدولة قبطية "مختلون" وحديثهم مرفوض.. وقانون الأحوال الشخصية ودور العبادة الموحد حق نصر على تنفيذه
الأحد، 06 يناير 2013 02:34 م
البابا تواضروس الثانى