أرجوكم لا تبحثوا عن الحقيقة بعيون أحد، ولا تنساقوا وراء رأى انفعالى لمجرد ثقتكم المطلقة بمن يروى لكم ما تسمونه حقيقة، حتى تتأكدوا منها من أكثر من مصدر فليس هناك على الأرض معصومون من الخطأ أو الهوى، وليس هناك من هو أكبر من التهوين أو التهويل، وكل البشر يؤخذ من كلامهم ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ما ينطق عن الهوى.
الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها، فإن كنتم تبحثون حقا عن الصدق والحقيقة فاسعوا وراءها عند الجميع، واسمعوا لمن تكرهون سماعه، ولمن تحبون وتثقون به على حد سواء، بشرط عدم وجود حكم مسبق يمنع عقولكم أن تحقق فيما تسمعون وتحلل هذا الكلام وتتثبت منه، اسمحوا لعقولكم ألا ترتبط وتنحصر فى شخص واحد تثقون به على الدوام ولا تثقون بغيره ولا تسمعون سواه.
اسمحوا لعيونكم أن ترى كل الأدلة والبراهين، ووجهات النظر المتباينة بل والمتناقضة حتى تستطيعوا أن تكونوا وجهة نظر عميقة وثابتة خاصة بكم، فالنظرة الأحادية الجانب لا تصل بنا أبدا لحقيقة مؤكدة ولا تخلق استيعابا للظروف والملابسات والأسباب الخفية والدوافع الكامنة ولا تسمح لنا بإدراك أحاسيس الناس وفهم طبيعتهم البشرية، ولا تدع فرصة للحوار والتكامل أو التوافق بين البشر فللحقيقة وجوه كثيرة تتراص جنبا إلى جنب، لتكون ثقافة وإدراك إنسان واع يفهم غيره من البشر.
أديروا ظهوركم لكل من يتجاوز حدود الأدب ويخرج عن القيم ولا تسمعوا لأى من كان ما دامت ألفاظه خارجة متجاوزة لحدود اللياقة والأدب، فمثل هؤلاء ليس عندهم إلا القليل الذى ينتفع به ولو كان كثيرا وليس بمثله من يوثق به ولو أن شخصا معه حق فلن يلجأ إلى التهويل أو التلفيق والأكاذيب لإلهاب المشاعر ولن يحتاج لسرد قيل وقال نقلا عن هذا وذاك ولن يلجأ للتطاول والتنكيل بالآخرين، لأن وجه الحق الناصع كفيل بالرد على كل باطل وكسب كل موقف.
إذا كان الصوت المرتفع دليلا على ضعف المواقف، فإن الخروج عن اللياقة واللجوء للبذاءة دليل على ضعف الإمكانيات الشخصية، والتهجم على الغير بدون وجه حق لمجرد الخلاف فى الرأى دليل على ضعف القدرات على الإقناع وعدم ثبات الانفعالات لدى من يلجأ لذلك.
صورة أرشيفية