أصيب كثير من الناس بالإحباط من جراء تغير الخطاب الدعوى وما طرأ عليه من لغة لم يعتد على سماعها المصريون، وما صاحب ذلك من دعاوى بعيدة عن سماحة الإسلام وجوهره، وإسقاط لأحكام متشددة على الواقع تنفر الناس وتهز ثقتهم فى الخطاب الدعوى وغاياته.
ويبدو أن ذلك سببه إشكالية فى فهم الواقع ومتطلبات المرحلة التى تمر بها البلاد، فهل يتحمل واقعنا هذا النوع من الخطاب؟ وهل هذا النوع من الخطاب يوحد أم يفرق؟ يجمع أم يشتت؟ يطمئن أم يثير الريبة والشكوك فى النفوس؟
الخطاب الدعوى يا سادة مهمته إدخال الناس فى الدين لا أن يخرجهم منه، لسوء فهم لمضمون أو تأويل خاطئ لنص أو قصور فهم لحكم أو قياس سقيم.
مهمته أن يحببهم فى الدين لا أن يبغضهم فيه بفظاظة قول أو سوء تصرف أو قسوة أسلوب فى التعامل أو تعصب أعمى لفكرة بعينها.
مهمته النصح والإرشاد إلى ما فيه الخير فى الدنيا والآخرة والأخذ بأيدهم إلى طريق الفلاح والنجاح بأسلوب يراعى مشاعرهم وأحاسيسهم ويحترم عقولهم لا أن يفضحهم على الملأ أو يتعرض لمساوئهم وأخطائهم على مرأى ومسمع ممن يعقل أو لا يعقل.
مهمته أن يبعث الطمأنينة فى نفوسهم عند اشتداد الأزمات بكلمات تعطيهم الثقة وتمنحهم الأمن وتعيد حساباتهم مع أنفسهم فى آرائهم وأفكارهم لا أن يكون فزاعة لهم يخوفهم ويرعبهم ويثير القلاقل فى نفوسهم.
الخطاب الدعوى المنشود يحتاج إلى لغة خطاب تتناسب مع أفهام البشر حسب تباين أفكارهم ومستوياتهم العقلية وادراكاتهم الذهنية وقدراتهم على استيعاب الأحكام وإنزالها على أرض الواقع.
لغة خطاب لا تخدش الحياء بل تحافظ عليه وتنمية فى النفوس بأسلوب متحضر وكلمات منتقاة وعرض راق يتفق مع تقاليدهم وعاداتهم.
لغة خطاب سهلة سلسة يفهمها العامة والخاصة تحقق المقصود وتصل إلى المرام من أقصر طريق لا ركيكة مبتذلة ولا مبدعة مكفرة.
لغة خطاب متحضرة قى أسلوبها وعرضها وموضوعها وطرحها لا سوقية منفرة ولا فاحشة مفحشة ولا كاشفة لمستور ولا هاتكة لأعراض الناس وفاضحة لأفعالهم.
لغة حطاب يغلب عليه "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا" بلا تعيين ولا تحديد ولا تشهير ولا تنديد بأحد مهما كان صنيعه، وفعله لأن القلوب بين أصبعى من أصابع الرحمن يقلبها كيفما شاء.
لغة خطاب تحترم الآخر فى فكره وطرحه ولا تحقر من عقله ولا تستصغر من شأنه، بل تقوم طريقه بلين ويسر وحجة وبرهان.
الخطاب الدعوى المنشود قى حاجة لتوضيح الأهداف وتحديد المرام الذى يصبو إلى تحقيقه لا أن يترك هكذا بلا غاية منشودة ولا هدف محدد.
الخطاب الدعوى المنشود لابد أن يتسم بالوسطية والاعتدال ويبتعد عن الغلو فى الرأى والتطرف فى الفكر والقسوة فى الحكم.
لابد أن يهتم بالمصداقية فى الطرح والإخلاص فى العرض والوضوح فى الرؤية والتطبيق على النفس لا أن يقوم على التدليس والافتراء وخلط الأمور وتلبس الحقائق والتعصب الممقوت لرأى أو فكر.
الخطاب الدعوى المنشود موضوعه الأساسى الإنسان وكيف يبنيه عقليا وأخلاقيا ونفسيا وروحيا.
كيف يقوم أخلاقه ويهذب عاداته ويكبح جماحه، كيف ينمى قدراته ويغير أحواله ويفيد المجتمع من إمكانياته. كيف يصنع فيه الدافع ويثير فيه العزيمة ويوقظ منه الهمة. كيف يصنع منه إنسانا مغايرا لما كان عليه من قبل.
يبنى لا يهدم يصلح لا يفسد، يفكر ليكتشف، معتدلا فى فكره وسلوكه وخلقه وسعيه.
الخطاب الدعوى لابد أن يهتم بالجوهر يصلحه ويطهره ويضع له الحلول والبدائل التى تعينه فى سعيه وتشبع رغباته وتحقق طموحه.
يا سادة نحن فى حاجة ماسة أن نعاود النظر مرات ومرات فى الخطاب الدعوى للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يهدم بنيان دعوتنا وتفقد الثقة فى خطابنا وتصبح الخسارة فادحة لا يلتئم لها جرح.
الخطاب الدعوى يحتاج إلى نفوس متجردة عن الهوى والأغراض والمصالح الشخصية.. همها رفعة هذا الدين ونصرته.
صورة أرشيفية