عدت متأخرا ومرهقا من العمل وألقيت ما فى يدى من جرايد اليوم وملفات خاصة بالعمل على الترابيزة فى الصالة.
وكانت رائحة الطعام تأتى من المطبخ وكأنها إحد قطارات السكة الحديد يلتهم أمامه كل ما يقابله ويدمره فاتجهت للبلكونة أنظر وأنتظر انتهاء الغذاء.
ومن الإرهاق طوال اليوم جلست على كرسى البلكونة ومددت قدمى واسترخيت أنظر إلى المارة وأتامل أشخاصا وسيارات وصورا وإعلانات، وأصواتا، وسمعت جرس الباب وصوت ..اذهبى له إنه فى البلكونة قد قارب الطعام على الانتهاء ودخلت وسرعان ما مدت يدها على فنجان قهوة متروكا منذ الصباح على الترابيزة وبدأت فى ممارسه هوايتها وأنا أستمع وأرد أو أعلق أحيانا عليها...يا إلهى ماذا أرى ما هذه السحب الداكنة اللون والمتفرقة فى فنجانك يا أستاذ ..؟ وما هذه الخطوط المتشابكة ..؟ وما هذه العقد المكلكعة...؟ وماهذه المطبات والتربيطات يا بيه..؟ لم أرد عليها واكتفيت بمص الشفايف ورفع الحواجب مما دفعها للانطلاق فى قراءة الفنجان، اسمع يا أستاذ فى السحاب والدخان الداكن ده يا أستاذ الذى التف حول نفسه وأثار غبار دول ناس مننا أما المدرسون والدكاترة أما عمال النظافة وسواقين النقل وفيهم ناس البرانيط على رءوسهم دول بتوع السياحة والعصافير الملقاة على الأرض دول الشهداء وشباب البلد والكورة المنقطة إللى طايرة دى يا أستاذ هم بتوع الأولتراس شوف يا بيه النقط والخط دول طوابير السولار والعيش، استمع لها ولا أرد وأكتفى بالنظر ومددت رقبتى للأمام ناظرا فى الفنجان وكأنى مهتم بما تقول فدفعها للاعتدال فى جلستها وبدأت كأنها خبير سياسى واقتصادى يحلل ويضع النقط ويكشف الخبايا فقالت العلم ليس فى الكراس يا أستاذ العلم فى الرأس وأشارت بسبابتها إلى رأسها وبدأت تحدثنى وتكيل لى التهم وتوجه النصائح وكأنى الرئيس لعلمها أنى أعمل بجهة حكومية فقالت يا أستاذ السحاب الأسود ده ما سببه أسباب المشاكل مازالت كما هى من عشرات السنين لماذا تفجرت الآن وفى هذه الأوقات ولماذا لا تنتهى..؟ وردت هى على نفسها..
أقول لك كنا متوقعين منكم حل المشاكل أو على الأقل البدء فى حلها بصورة واضحة ومعلنة..الناس عايزة تلمس وتحس أن فى جهد وعمل وبداية علشان تديك العذر.. لم أرد عليها... وانطلقت..مش كل ما الناس تسأل تقولوا إحنا ماعندناش غير خمسة وزراء فى الحكومة من خمسة وتلاتين ٣٥ نعمل إيه..؟ يا أستاذ أنتم نجحتوا فى الانتخابات بغض النظر عن ما قيل عنها ومن حقك تشكيل الحكومة بمزاجك لتنفيذ برنامجك مش يبقى ابنى على حجرى وأدور عليه عند الجيران... نظرت إليها مندهشا وحبى واستمتاعى لحديثها جعلنى ألتزم الصمت.. واستمرت فى الحديث أكبر غلطة يا أستاذ أنكم لم تشكلوا الحكومة بأغلبية يعنى تجيب ناس عشان تعرف تحاسبها أما دلوقتى أنت الطرد باسمك والقفة والشيلة باسمك وكل مصيبة وسحابة سودا بتقع وبتحصل باسمك وأنت عامل زى قبطان سفينة فى رحلة الكل بيدخن ويرقص فوق وحضرتك فى الكابينة على أعصابك ووقت المصيبة هيغرقوك أنت.. نظرت إليها وقلت فى نفسى يخرب عقلك ده إنت مصيبة وداهية مش قارئة فنجان... وفهمت ما قلت وازدادت ثقة وانطلقت...يا أستاذ السحاب ده ما ينفعش معاه حقن البنج والطبطبة يجب أن يكون هناك حل جذرى قاطع وحازم.. يا أستاذ أين كوادركم أين رجال أعماكم أين إدارييكم؟..أين القاده المحنكون والخبرة فى كل مجال.. فين مشروعاتكم للنظافة ومتابعتها...فين تعمير سيناء..فين القصاص للشهداء..رد يا أستاذ...؟ تركتها وكأنه تؤذن فى أستاد القاهرة بعد منع الجماهير...فين مشروعات الزراعة والصناعة التى تستوعب آلاف الشباب والخريجين بدل من انضمامهم للمظاهرات وبدل تسكعهم فى الشوارع والمقاهى.. وبدل انضمامهم لأحزاب أخرى ضيقا وهربا منك لأنهم لم يروا شيئا ملموسا واقعيا...أين مشروعاتك فى المستشفيات وتطويرها..أين لمساتك للسياحة...حتى الكورة التى كانت تشغل الشباب توقفت أين خطة تأمين الملاعب بمواصفات تمنع نزول الجمهور للملعب...أين أى شىء يقوم به رجال أعمالك تجذب شباب للعمل استصلح أراضى صحراوية للزراعة وشغل بمبلغ ١٥ وعشرين جنيها فى اليوم وأنظر أعداد العاطلين التى ستتقاتل للعمل معك...ابن مساكن اقتصادية فى أى مكان للشباب وأعلن عن راتب يومى أقل حتى من المعقول ستجد الآلاف يندفعون إليك طالبين العمل وتكون أصبت كبشة عصافير بحجر. بناء مساكن وتشغيل شباب وشعر المواطن والناخب أنك تستحق...أين الوزير الذى يتصرف لمصلحة بلده ويعمل ويعلن عن عمله ويراقب ويتابع وينجز خطة الحزب ولا ينتظر أوامر من الريس...إنت معايا يا أستاذ..؟ نظر إليها وعيناها تبرق وملامحها مقتضبة وهى تنظر للفنجان وتتحدث البلد أصبحت بحيرة جميلة بعد الثورة ولكن مياهها واقفة وابتعاد الحزب عن الرياسة خسارة ولا يصب فى مصلحة البلد والعكس صحيح..ساعدوا الريس بأفكاركم وكوادركم وتنظيمكم وجماعتكم وبرامجكم وقيادتكم ورجال أعمالكم وشبابكم وتقليل تصريحاتكم ولا تتركوا الريس يسبح لوحده خوفا من كلمة أخونة الدولة...تحركوا وتضامنوا مع كل مخلص ومحب لبلده... شارفت المائة يوم على الانتهاء وكان لكم فرصه عشره ايام فقط للاعلان عن اى مشروع قومى لاستصلاح أراضى وتشغيل آلاف الشباب بحركة ذكاء من أى رجل أعمال وفى نفس الوقت ينافسه رجل أعمال آخر بمشروع آخر يجذب الآلاف الشباب ورجل ثالت فى محافظة أخرى يعلن عن مشروع آخر وهكذا وكله لمصلحة الحزب والبلد.. الرئيس لكل المصريين ولكن ابتعاده عنكم مصيبة وابتعادكم عنه وعدم مساندته بالعمل على تحقيق مشروعه وشعور المواطن بأن هناك حركة وهناك عملا جادا وهناك أبواب عمل ورزق وأمل تفتح أمامه تجعله يصبر ١٠٠٠ يوم ولكن الأهم أن يشعر ويرى ..ابتعادكم والوقوف أمام مياه البحيرة مصيبة أكبر...صحيح أن هناك إنجازات ولكن باردة وليست بالسخونة التى ينتظرها ويتوقعها الناس..أحسست بالضيق من كلامها وسحبت قدمى بسرعة من أسفل الترابيزة فوقعت الصينية وأحدثت صوتا فجاءت الزوجة مسرعة للبلكونة...قائلة مش هنخلص من لعب الكورة والعيال دى..الغداء جاهز اتفضل...أنت نمت ولا إيه..أفقت من غفوتى أتحسس مكان ارتطام قدمى وأجمع بقايا فنجان القهوة متمتما..اللهم اجعله خيرا.
قارئة فنجان