بعدما تملك اليأس والقنوط من نفوسهم - بتردى أوضاع البلاد وانتشار الفساد والفاسدين، وبعد فقدانهم الأمل فى غدٍ قد يحمل مستقبلاً أفضل لنيل بعضٍ من حقوقهم، حتى وإن كان الحد الأدنى منها، ليحيا الشاب منهم فى عيشة كريمة، وفى ظل نظام بائد اعتاد تصدير تلك الأحاسيس والمشاعر لهؤلاء الشباب من خلال إحراقه المجتمع المصرى بسياساته وفساده وإفساده - دأب الشاب المصرى على اختيار رحلات الموت مصيرًا محتومًا له لم يجد غيره بديلاً.
تسببت سياسات ذلك النظام البائد - والتى بالتبعية مازالت رواسبها مخيمة علينا وعلى مجتمعنا حتى بعد ثورة يناير، حيث إن الأوضاع الاقتصادية لا تتغير ما بين عشية وضحاها، بل إنها تحتاج إلى خطط وسياسات صحيحة جديدة تأخذ وقتها حتى تؤتى ثمارها، وهو ما ضاق به ذرعًا هؤلاء الشباب – فى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فامتطوا ظهور مراكب الموت التى تخيلوا أنها بداية لحياة يتطلعون إليها، فباعوا واستدانوا وافترشوا البحر بأخطاره واستظلوا بأمواجه، حتى اكتشفوا أنها ليست بداية لحياة، بل نهاية لها، بعدما وقعوا فريسة ظلم بلادهم وحكامها، وقهر عصابات التهريب وجشعها، وتضييق الدول المهاجرين إليها.
أصبح الشاب المصرى أسيرًا لعوامل الضغط القهرية المحيطة به من كل جوانب الحياة، مع إلحاح مستمر وشرعى لمتطلباته الحياتية التى تزداد صعوبة يومًا بعد يوم، حتى شارفت على الاستحالة، فاختار تلك الرحلات التى هى فى حقيقتها رحلات مصير مجهول سوف يؤدى إلى موت محقق.
لا شك أن هؤلاء الشباب أخطأوا فيما اختاروا، إلا أنهم يعذورن فيما تحملوه، ولكن - وبعد ثورة يناير، وبعدما بدأت الأمور تميل إلى الاستقرار، وبَدَت الصورة أكثر إشراقًا مع رئيس منتخب بإرادة شعبية مصرية، وسياسات وضح أنها أكثر اعتدالاً ووضوحًا تسعى إلى صناعة مستقبل أفضل لمصر وللمصريين - كان لزامًا عليهم أن يتحلوا ببعضٍ من الصبر والجلد إضافة إلى ما صبروا عليه وعانوه حتى نرى ما ستسفر عنه أيامنا، بدلاً من ذلك الاختيار الذى أعتبره مغامرة بمستقبل شباب نحن فى حاجة إليهم.
وعلى الدولة أن تسرع فى خطاها فى تحسين أوضاع المواطن البسيط الذى لا يستطيع أن ينتظر الخطط بعيدة الأمد، ليرى بصيصًا من الأمل، وليس كل الأمل؛ حتى يكون دافعًا له ليصبر حتى يرى بقية النتائج، هذا إلى جانب خلق مشاريع تستوعب آلاف الشباب، وأقرب تلك المشاريع هو تمليك الشباب أراضى مصر المترامية الأطراف، وخاصة سيناء التى تشكو من إهمالها ليعمرها الشباب بدلاً من محاولات الانتحار البطىء الذى قد يكون مصيرًا لكنزَى مصر الاستراتيجيين: "الشباب وسيناء".
صورة ارشيفية