محمد جاد الله يكتب: بين ميدان التحرير وإشارة روكسى

السبت، 22 سبتمبر 2012 10:45 ص
محمد جاد الله يكتب: بين ميدان التحرير وإشارة روكسى أرشيفية

منذ أيام كنا أنا وصديقى الذى يعيش فى أوروبا، عالقين فى زحام إشارة ميدان روكسى.

وبينما نحن نتجاذب أطراف الحوار، مر أمام السيارة شاب شديد وسامة الوجه، زائغ النظرات، مهترئ الملابس، أشعث الشعر واللحية، تعلوه طبقات الغبار، وقد بدا عليه أنه انتقل حديثاً إلى حالة الانفصال التام عن الواقع ذهنياً بسبب ما عايشه المجتمع فى الفترة الماضية.

كان الشاب يتحرك وهو زائغ النظرات، ويرغى ويزيد على غير هدى أمامنا عندما جاءنى صوت صديقى، متسائلاً بصدق وتلقائية واضحة: هو ماله؟!!
نظرت إلى صديقى بطرف عينى، فوجدته صامتاً ينظر إلى اللا شىء.. وعلى الفور ضغط بقدمى على دواسة البنزين بعنف غير معهود، لأنطلق بعد أن أوسعنى السائقون من خلفى جميع أنواع السباب بآلات التنبيه، فقد شردت ولم ألحظ تغير لون الإشارة إلى الأخضر.

التقطت أنفاسى، ثم أجبت سؤاله بكلمات متداخلة غير مفهومة كعادتى عندما تعصف الأفكار برأسى وتضطرب مشاعرى..
ثم ساد الصمت، وانشغلت بالقيادة.

عندما تسللت نظراتى إلى صديقى مرة أخرى، لمحت سبابة يده اليسرى تهتز مشيرة إلى السماء بشكل لا إرادى، ورأيته يدارى منى عينيه الممتلئتين بالدموع، وهو يحرك شفتيه بما فسرته أنه دعاء وحمد مبهم، فقلت له مواسياً إنى رأيت على كثير من عابرى السبيل يمشون وحدهم على طرق سريعة مختلفة، لا تعلم من أين وإلى أين.. فى ملكوت الله.

تمالكت نفسى بكل ما أوتيت كى لا يلحظ اختناق صوتى، والتشنج الذى أصاب يدى على عجلة القيادة.

ظننت ساعتها أن صديقى المرهف الحس يعتقد أنى أحاول بروايتى أن أخفف عليه الألم الذى أصابه عندما رأى شاب روكسى.

ولا أعلم حتى يقرأ صديقى تلك السطور ويخبرنى، إن كان قد تذكر هذا الشاب، كما تذكرته وتعرفت عليه، عندما التقت نظراتنا فى الإشارة، وليتنى لم أتذكره.

فقد كان هذا الشاب هو نفسه "محمود" الذى قضينا أنا وصديقى معه أياما غاية فى الصعوبة والشرف بميدان التحرير، فقد كان محمود هو أحد المشرفين على تسلم وحماية المعونات الطبية فى المستشفى الميدانى المقام على مدخل شارع محمد محمود، إبان الأحداث المؤلمة التى سميت تاريخياَ باسمه.

كان محمود كما أتذكره هادئاَ، أنيقاَ، يتميز بحزم وصلابة وقدرة تنظيمية متميزة للغاية.
هل تذكره صديقى، وكان ذلك هو سبب الأسى الذى أصابه؟
هل أراد ألا يثقل على شفقة بى، كما أردت أنا ألا أثقل عليه شفقة عليه؟

أم أنه لم يتذكره، ودمعت عيناه رثاء لحال شاب مصرى فقد عقله، بسبب الضغوط التى تعرض لها؟

بكل بصراحة، فإن الإجابة على تلك الأسئلة لا تعنى بالنسبة لى الكثير الآن.

فما تشغلنى هى مجموعة أخرى من الأسئلة:
كيف جرؤ قلبى على تجاهل محمود ومضيت بحجة ضغط السائقين من خلفى على أعصابى وتحول الإشارة إلى اللون الأخضر؟
ماذا فعلت الحياة والأحداث بى؟
إلى هذا الحد أثرت (قاهرة) الرجال والنساء والشيوخ والأطفال سلباً على مشاعرى؟
عذراً محمود..
لن أكف عن النظر بدقة فى الوجوه عند مرورى بكل الميادين..
من التحرير إلى روكسى..
ربما أجدك مرة أخرى..
أو أجد نفسى.



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة